وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن [صحة أصول مذهب أهل المدينة] ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة، وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار؟
فأجاب رضي الله عنه:
الحمد لله، مذهب أهل المدينة النبوية - دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة إذ فيها سن الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم سنن الإسلام وشرائعه وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله وبها كان الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم - مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغربا، في الأصول والفروع. وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون الثلاثة المفضلة، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من وجوه: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فذكر ابن حبان بعد قرنه قرنين بلا نزاع وفي بعض الأحاديث الشك في القرن الثالث بعد قرنه وقد روي في بعضها بالجزم بإثبات القرن الثالث بعد قرنه فتكون أربعة. وقد جزم بذلك ابن حبان البستي
ونحوه من علماء أهل الحديث في طبقات هذه الأمة فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح. أما أحاديث الثلاثة ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: (خير أمتي القرن الذين يلونني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سأل رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: القرن الذي بعثت فيهم، ثم الثاني، ثم الثالث) .
وأما الشك في الرابع، ففي الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا: ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن. وفي لفظ: خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم الحديث وقال فيه: ويحلفون ولا يستحلفون) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: (خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم - والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ - ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا) . وقوله في هذه الأحاديث:"يشهدون قبل أن يستشهدوا"قد فهم منه طائفة من العلماء أن المراد به أداء الشهادة بالحق قبل أن يطلبها المشهود له وحملوا ذلك على ما إذا كان عالما، جمعا بين هذا وبين قوله: (ألا أنبئكم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) وحملوا الثاني على أن يأتي بها المشهود له فيعرفه بها. والصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل كما جاء في بعض ألفاظ الحديث ثم يفشو فيهم الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ولهذا قرن ذلك بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر وهذه الخصال الثلاثة هي آية المنافق كما ثبت في الحديث المتفق عليه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وفي لفظ لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) فذمهم صلى الله تعالى عليه وسلم على ما يفشو فيهم من خصال النفاق وبين أنهم يسارعون إلى الكذب حتى يشهد الرجل بالكذب قبل أن يطلب منه ذلك، فإنه شر ممن لا يكذب حتى يسأل أن يكذب. وأما ما فيه ذكر القرن الرابع فمثل ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم ولفظ البخاري: ثم يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس) ولذلك: قال صلى الله تعالى عليه وسلم في الثانية والثالثة وقال فيها كلها: صحب ولم يقل رأى.
ولمسلم من رواية أخرى: (يأتي على الناس زمان يبعث فيهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم ثم يبعث البعث الثالث فيقولون: انظروا هل ترون فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون