موصوفة بصفات السلم. وكذلك كل عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة عند شرط، قد يكون وقد لا يكون.
فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال؛ كالصداق والكتابة والفدية في الخلع والصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب، ليس بواجب أن يعلم الثمن والأجرة. ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر؛ لأن الأموال إما أنها لا تجب في هذه العقود، أو ليست هي المقصود الأعظم منها، وما ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع، بل يكون إيجاب التحديد في ذلك فيه من العسر والحرج المنفي شرعًا ما يزيد على ضرر ترك تحديده.
والأصل في أن تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد: من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) وفي رواية أخري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح.
فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه إذا باع ثمرًا، فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا. ثم بين سبب ذلك وعلته فقال: (بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل، وأنه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق؛ بل بالباطل، وقد حرم الله أكل المال بالباطل؛ لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض. وهذا الحديث أصل في هذا الباب.
/والعلماء وإن تنازعوا في حكم هذا الحديث ـ كما سنذكره، واتفقوا على أن تلف المبيع قبل التمكن من القبض يبطل العقد، ويحرم أخذ الثمن ـ فلست أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا صريحا في هذه القاعدة وهي: [أن تلف المبيع قبل التمكن من القبض يبطل العقد] غير هذا الحديث.
وهذا له نظائر متعددة، قد ينص النبي صلى الله عليه وسلم نصا يوجب قاعدة، ويخفي النص على بعض العلماء حتي يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة، ويتنازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص، مثل اتفاقهم على المضاربة، ومنازعتهم في المساقاة، والمزارعة. وهما ثابتان بالنص، والمضاربة ليس فيها نص، وإنما فيها عمل الصحابة ـ رضي الله عنهم.
ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلا بالنص، ويفرعون عليه ـ لا ينازعون في الأصل المنصوص، ويوافقون فيما لا نص فيه ـ ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع عليه؛ لهيبة الاتفاق في القلوب، وأنه ليس لأحد خلافه.
وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص. وقد يكون حكمه أقوي من المتفق عليه. وإن خفي مدركه على بعض العلماء، فليس ذلك بمانع /من قوته في نفس الأمر، حتي يقطع به من ظهر له مدركه.
ووضع الجوائح من هذا الباب، فإنها ثابتة بالنص، وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين، وبالقياس الجلي والقواعد المقررة؛ بل عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق.
وذلك أن القول به هو مذهب أهل المدينة قديمًا، وحديثًا، وعليه العمل عندهم، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك وغيره، وهو مشهور عن علمائهم؛ كالقاسم بن محمد، ويحيي بن سعيد القاضي، ومالك وأصحابه، وهو مذهب فقهاء الحديث؛ كالإمام أحمد وأصحابه، وأبي عبيد، والشافعي في