الصفحة 57 من 85

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ـ رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على بيان الحق المبين، وكشف غمرات الجاهلين والزائغين ـ في هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وتكلموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام، ولم يبقوا على الكفر الذى كانوا عليه في أول الأمر، فهل يجب قتالهم أم لا؟ وما الحجة على قتالهم؟ وما مذاهب العلماء في ذلك؟ وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين ـ الأمراء وغيرهم؟ وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرها؟ وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك؟ وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون، والمقاتلون لهم مسلمون، وكلاهما ظالم، فلا يقاتل مع أحدهما، وفى قول من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون؟ وما الواجب على جماعة المسلمين من أهل العلم والدين، وأهل القتال، وأهل الأموال في أمرهم؟ أفتونا في ذلك بأجوبة مبسوطة شافية، فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين، بل على أكثرهم. تارة لعدم العلم بأحوالهم. وتارة لعدم العلم بحكم الله/ ـ تعالى ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم في مثلهم. والله الميسر لكل خير بقدرته ورحمته، إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فأجاب:

الحمد لله رب العالمين، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله، وسنة رسوله، واتفاق أئمة المسلمين. وهذا مبنى على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم. والثانى: معرفة حكم الله في مثلهم.

فأما الأول: فكل من باشر القوم يعلم حالهم، ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين. ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذى يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول:

كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين. فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا. وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة. وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق. وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة. وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة. وكذلك / إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها، مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام، وأمثال هذه الأمور.

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279] ، وهذه الآية نزلت في أهل الطائف، وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا، لكن كانوا يتعاملون بالربا. فأنزل الله هذه الآية، وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقى من الربا، وقال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] ، وقد قرئ {فَاذَنُوا} ، و (وآذنوا) وكلا المعنيين صحيح. والربا /آخر المحرمات في القرآن، وهو مال يؤخذ بتراضى المتعاملين. فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله، فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التى هى أسبق تحريما وأعظم تحريما؟!.

وقد استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج، وهى متواترة عند أهل العلم بالحديث. قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخارى منها ثلاثة أوجه: حديث على، وأبى سعيد الخدرى، وسهل ابن حنيف. وفى السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب بمن معه من الصحابة، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها، لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين. فإن الصحابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت