الصفحة 78 من 85

فصل

في مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء في حضانة الصغير المميز: هل هي للأب، أو للأم، أو يخير بينهما؟ فإن كثيرًا من كتب أصحاب أحمد إنما فيها أن الغلام إذ بلغ سبع سنين خير بين أبويه، وأما الجارية فالأب أحق بها وهؤلاء الذين ذكروا هذا ـ كالخرقي وغيره ـ بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة ولم يبلغهم سائر نصوصه، فإن كلام أحمد كثير منتشر جدًا وقل من يضبط جميع نصوصه في كثير من المسائل؛ لكثرة كلامه وانتشاره، وكثرة من كان يأخذ العلم عنه.

وأبو بكر الخلال قد طاف البلاد وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين مجلدًا، وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه، وأما ما جمعه /من نصوصه فمن أصول الدين مثل: كتاب [السنة] نحو ثلاث مجلدات، ومثل [أصول الفقه] ، والحديث مثل كتاب [العلم] الذي جمعه من الكلام على علل الأحاديث مثل كتاب [العلل] الذي جمعه، ومن كلامه في أعمال القلوب والأخلاق والأدب، ومن كلامه في الرجال والتاريخ، فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه.

والمقصود هنا أن النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما في مسألة البنت، وفي مسألة الابن، وعنه في الابن ثلاث روايات معروفة، وممن ذكرهن أبو البركات في محرره. وعنه في الجارية روايتين، وممن ذكرهما أبو عبد الله بن تيمية في كتابيه: [التلخيص] و [ترغيب القاصد] والروايات موجودة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها في عدة كتب. وممن ذكر هذه الروايات القاضي أبو يعلي في تعليقه نقل عن أحمد في الغلام: أمه أحق به حتى يستغني عنها، ثم الأب أحق به.

فقال في رواية الفضل بن زياد: إذا عقل الغلام واستغني عن الأم فالأب أحق به. وقال في رواية أبي طالب: والأب أحق بالغلام اذا عقل واستغني عن الأم. وهذا الذي نقله القاضي أبو يعلى والثاني وغيرهما هو المنقول عن أبي حنيفة قال: إذا أكل وحده، ولبس وحده، وتوضأ وحده، فالأب أحق به. ونقل ابن المنذر: أنه يخير بين أبويه عن أبي حنيفة وأبي ثور. والأول هو مذهب أبي حنيفة، الموجود في كتب أصحابه وهو إحدى الروايتين عن مالك؛ فإنه نقل عنه ابن وهب: الأم أحق به حتى /يثغر، ولكن المشهور عنه أن الأم أحق به مالم يبلغ. وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد. وأما المشهور عن أحمد ـ وهو تخيير الغلام بين أبويه ـ فهو مذهب الشافعي، وإسحاق بن راهويه.

وموافقته للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظمهما، ويرجح أصول مذاهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما، ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما، وجمع بينهما بمسجد الخيف فتناظرا في مسألة إجارة بيوت مكة والقصة مشهورة، وذكر أحمد أن الشافعي علا إسحاق بالحجة في موضع، وأن إسحاق علاه بالحجة في موضع. فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة، وإسحق يمنع منهما، وكانت الحجة مع الشافعي في جواز بيعها، ومع إسحاق في المنع من إجارتها.

والرواية الثالثة عن أحمد: أن الأم أحق بالغلام مطلقا، كمذهب مالك، أخذت من قوله في رواية حنبل: في الرجل يطلق امرأته وله منها أولاد صغار، فالأم أعطف عليهم مقدار ما يعقلون الأدب، فتكون الأم بهم أحق مالم تتزوج، فإذا تزوجت فالأب أحق بولده، غلاما كان، أو جارية. قال الشيخ أبو البركات: فهذه الرواية تدل على أنه إذ كبر وصار يعقل الأدب /فإنه يكون مقره ـ أيضا ـ عند الأم، لكن في وقت الأدب وهو النهار يكون عند الأب، وهذه المدونة مذهب مالك بعينه الذي حكيناه. فصار في المسألة ثلاث روايات. ومذهب مالك في التهذيب أن الأم أحق به مالم يبلغ، والأب يتعاهده عندها، وأدبه وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند أم.

قلت: وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل المدينة، كما كان يسأله إسحاق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره، وكما كان يسأله الميموني عن مسائل الأوزاعي، وكما كان يسأله إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه، فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي حنيفة، واجتهد في مسائل كثيرة رجح فيها مذهب أهل الحديث، وسأل عن تلك المسائل أحمد وغيره، وشرحها ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام مسجد دمشق.

وأما حضانة البنت إذا صارت مميزة فوجدنا عنه روايتين منصوصتين، وقد نقلهما غير واحد من أصحابه كأبي عبد الله بن تيمية وغيره:

إحداهما: أن الأب أحق بها، كما هو موجود في الكتب المعروفة في مذهبه.

والثانية: أن الأم أحق بها. قال في رواية إسحاق بن منصور: يقضي بالجارية للأم والخالة، حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها. /وقال في رواية رضا بن يحيي: إن الأم والجدة أحق بالجارية حتى تتزوج. وقال أبو عبد الله في ترغيب القاصد وإن كانت جارية فالأب أحق بها بغير تخيير. وعنه: الأم أحق بها حتى تحيض.

وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب مالك وأبي حنيفة. ففي المدونة مذهب مالك: أن الأم أحق بالولد مالم يبلغ، سواء كان ذكرًا أو أنثي فإذا بلغ وهو أنثي نظرت فإذا كانت الأم في حوز ومنعة وتحصن فهي أحق بها أبدا ما لم تنكح، وإن بلغت أربعين سنة. وإن لم تكن في منع وحرز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت