وتحصن، أو كانت غير مرضية في نفسها فللأب أخذها منها، والوصي، وكذلك الأولياء، والوصى كالأب في ذلك إذا أخذ إلى أمانة وتحصن. ومذهب الليث بن سعد نحو ذلك، قال: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ إلا أن تكون الأم غير مرضية في نفسها وأدبها لولدها أخذت منها إذا بلغت، إلا أن تكون صغيرة لا يخاف عليها. وقال أبو حنيفة: الأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض، ومن سوي الأم والجدة أحق بها حتى تبلغ حدًا تشتهي، ولفظ الحجازي: حتى تستغني، كما في الغلام مطلقًا.
وأما التخيير في الجارية فهو قول الشافعي، ولم أجده منقولا لا عن أحمد، ولا عن إسحاق، كما نقل عنهما التخيير في الغلام، ولكن نقل عن الحسن بن صالح بن حيي: أنها تخير إذا كانت كاعبا، والتخيير في الغلام. ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق للحديث الوارد /في ذلك حيث خير النبي صلى الله عليه وسلم غلاما بين أبويه، وهي قضية معينة. ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا، والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف مخالف لإجماعهم.
والفرق بين تخيير الغلام والجارية: أن هذا التخيير تخيير شهوة، وتخيير رأي مصلحة، كتخيير من يتصرف لغيره كالإمام والولي، فإن الإمام إذا خير في الأسري بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون مصيبا في اجتهاده، حاكما بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة، كالذي ينزل أهل حصن على حكمه، كما نزل بنوا قريظة على حكم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما سأله فيهم بنو عبد الأشهل، قال: (ألا ترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ) ، فرضوا بذلك، وطمع من كان يجب استبقاءهم أن سعدًا يحابيهم، لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من المولاة، فلما أتي سعد حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات) ، وهذا يقتضي أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكمًا لله في نفس الأمر. وإن كان لابد من إنقاذه.
ومثل ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه: (وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على /حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك) . ولهذا قال الفقهاء: إنه إذا حاصر الإمام حصنا فنزلوا على حكم حاكم جاز، إذا كان رجلا حرا، مسلما، عدلا، من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد، ولا يحكم إلا بما فيه حظ الإسلام، من قتل، أو رق، أو فداء. وتنازعوا فيما إذا حكم بالمن فأباه الإمام: هل يلزم حكمه أو لا يلزم؟ أو يفرق بين المقاتلة والذرية؟ على ثلاثة أقوال. وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لاحظ فيه للمسلمين.
والمقصود أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير رأي ومصلحة يطلب أي الأمرين كان أرضي لله ورسوله فعله، كما ينظر المجتهد في أدلة المسائل، فأي الدليلين كان أرجح اتبعه، ولكن معني قولنا تخيير أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت، بل قد يتعين فعل هذا تارة، وهذا تارة. وقوله في القرآن: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} [محمد: 4] ، يقتضي فعل أحد الأمرين، وذلك لا يمنع تغيير هذا في حال وهذا في حال، كما في قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] ، فتربص أحد الأمرين لا يمتنع بعينه إذا كان الجهاد فرضا علينا بعض الأوقات، فحينئذ يصيبه الله بعذاب بأيدينا، كما في قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عليهمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14،15] .