الصفحة 8 من 85

وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَدْ بِهَا بَيْعَةٌ , وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ. الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ , فَهَلْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ مُرَجَّحٌ , وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْمَنْعِ , وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ , وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى , وَابْنُ عَقِيلٍ. وَالثَّانِي: مُرَجَّحٌ , وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ , وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ , وَمِنْ كَلَامِهِ: إذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ. الرَّابِعَةُ: النَّقْلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ , وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ , وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي"الْمُلَخَّصِ". فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ , وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ , وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ , وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ تَقْلِيدٍ. وَجَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْإِبْيَارِيُّ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً: أَحَدُهَا: الْأَعْمَالُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ , فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِمَادِهَا. ثَانِيهَا: أَنْ يَرْوُوا أَخْبَارًا وَيُخَالِفُوهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الرَّاوِيَ الْوَاحِدَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ التَّمَسُّكُ بِرِوَايَتِهِ , وَيَرْجِعُ إلَى عَمَلِهِ فَمَا الظَّنُّ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جُمْلَةً. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَنْقُلُوا الْخَبَرَ , وَلَكِنْ يُصَادَفُ خَبَرٌ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِمْ , فَهَذِهِ أَضْعَفُ مِنْ الْأُولَى , وَلَكِنْ غَلَبَةُ الظَّنِّ حَاصِلَةٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْفَى عَنْ جَمِيعِهِمْ ; لِهُبُوطِ الْوَحْيِ فِي بَلَدِهِمْ , وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسُّنَّةِ , وَلِهَذَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ. وَيَبْعَثُونَ يَسْأَلُونَ مِنْهُمْ , فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ رَأَوْا وَخَالَفُوا. رَابِعُهَا: أَنْ لَا يُنْقَلَ خَبَرٌ عَلَى خِلَافِ قَضَائِهِمْ , وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ , فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا الْقِيَاسَ مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً شَرْعِيَّةً إلَّا بِتَوْقِيفٍ , وَقَدْ يُقَالُ: لَا يُوَافَقُونَ , وَلِهَذَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ , كَالْقِصَاصِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ , وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الْأَطْرَافِ. خَامِسُهَا: أَنْ يُصَادِفَ قَضَاؤُهُمْ عَلَى خِلَافِ خَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ , لَا عَنْ خِلَافِ قِيَاسِ , حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى خَبَرٍ لِأَجْلِ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ , فَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَنْقُولِ , وَيُتَّبَعُ الدَّلِيلُ. ا هـ.

وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , لَكِنْ نَبَّهَ الْإِبْيَارِيُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ حَسَنَةٍ , وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ , فَلَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ , حَتَّى يُفَسَّقَ الْمُخَالِفُ , وَيُنْقَضَ قَضَاؤُهُ , وَلَكِنْ يَقُولُ: هُوَ حُجَّةٌ , عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَاخَذٍ مِنْ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ , كَالْمُسْتَنِدِ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.

[رُدُودُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَعْوَى: إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]

وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْصُوفَةً بِالْإِشْكَالِ , وَقَدْ دَارَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي عُمَرَ [بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ] مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. وَصَنَّفَ الصَّيْرَفِيُّ فِيهَا وَطَوَّلَ فِي كِتَابِهِ"الْأَعْلَامِ"الْحِجَاجَ فِيهَا مَعَ الْخَصْمِ , وَقَالَ: قَدْ تَصَفَّحْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَى كَذَا , فَوَجَدْنَا أَهْلَ بَلَدِهِ فِي عَصْرِهِ يُخَالِفُونَهُ , كَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ قَبْلِهِ , فَإِنَّهُ مُخَالِفُهُمْ , وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى مَا وَصَفَهُ لَمَا جَازَ لَهُ خِلَافُهُمْ; لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَمَلِ كَعِلْمِهِمْ لَوْ كَانَ مُسْتَفِيضًا. قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُ , وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ فِي قَوْلٍ: ادَّعَى مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَيْهِ , فَقَالَ رَبِيعَةُ: وَقَالَ قَوْمٌ: - وَهُمْ الْأَقَلُّ - مَا ادَّعَى مَالِكٌ أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْبَلَدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا أَعْرِفُهُ , حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ , ثُمَّ إنَّا رَأَيْنَا مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَمَلِ إنَّمَا عَلِمْنَا عَنْهُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ , كَرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ , وَابْنِ بُكَيْر , وَالسُّبْكِيِّ , وَابْنِ مُصْعَبٍ , وَابْنِ أَبِي إدْرِيسَ , وَابْنِ وَهْبٍ , وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْعِلْمُ. وَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْمُوَطَّإِ هَذِهِ الْحِكَايَةَ , وَلَمْ نُشَاهِدْ الْعَمَلَ الَّذِي حَكَاهُ , وَوَجَدْنَا النَّاسَ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت