عَلَى بَعْضِ دَقَائِقِ عِلْمِ الْمَوَارِيثِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الْعَوَّام. وَفَرَّقَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ نَصًّا , كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ , أَوْ مَعَ سُكُوتِ بَعْضِهِمْ , فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ , وَبَيْنَ إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ فَيُضَلَّلُ.
8 -يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ إذَا أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ , أَوْ قَضَى , وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ , وَعَرَفَهُ جَمِيعُ مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ , وَلَمْ يُخَالِفُوهُ , وَاسْتَمَرَّتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا إلَى مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ , وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَهُوَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ , وَإِنَّمَا يَكُونُ إجْمَاعًا عِنْدَهُمْ حَيْثُ لَا يُحْمَلُ سُكُوتُهُمْ عَلَى التَّقِيَّةِ خَوْفًا. وَمَوْضِعُ اعْتِبَارِ سُكُوتِهِمْ إجْمَاعًا إنَّمَا هُوَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ , وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ السُّكُوتُ إجْمَاعًا ; لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ عَلَى صَاحِبِ مَذْهَبٍ فِي الْعَمَلِ عَلَى مُوجِبِ مَذْهَبِهِ , وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ إجْمَاعًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا , وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبَانَ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
التَّعَارُضُ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ:
9 -الْإِجْمَاعُ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَا يَنْسَخُ الْإِجْمَاعُ الْإِجْمَاعَ , وَإِذَا جَاءَ الْإِجْمَاعُ مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّصَّ مَنْسُوخٌ. فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ دَلِيلَ النَّسْخِ وَلَيْسَ هُوَ النَّاسِخَ.
رُتْبَةُ الْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ:
1 -بَنَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ تَقْدِيمَ الْإِجْمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ:"يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. ثُمَّ يَبْحَثَ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ , فَيَنْظُرَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي الْإِجْمَاعِ , فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعًا , تَرَكَ النَّظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , فَإِنَّهُمَا يَقْبَلَانِ النَّسْخَ , وَالْإِجْمَاعُ لَا يَقْبَلُهُ. فَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى النَّسْخِ , إذْ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ". وَقَدْ حَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ"كُلُّ مَنْ عَارَضَ نَصًّا بِإِجْمَاعٍ , وَادَّعَى نَسْخَهُ , مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ , فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِنَصِّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ لَدَى الْأُمَّةِ."وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ"لَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ , فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ , وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ إجْمَاعٌ عَلَى تَرْكِ نَصٍّ إلَّا وَقَدْ عُرِفَ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ , وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ إذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ , لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحًا , بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعًا."وَفِي الْإِجْمَاعِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ أَوْسَعُ مِمَّا ذُكِرَ , مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الْأُصُولِيُّ.
عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ التَّعْرِيفُ:
1 -يَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ عِبَارَةَ (عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) فِيمَا أَجْمَعَ عَلَى عَمَلِهِ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى الَّتِي وَرَدَتْ الْآثَارُ عَلَى أَنَّهَا خَيْرُ الْقُرُونِ , وَتَوَارَثُوهُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ حُجِّيَّةُ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: 2 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُجِّيَّةِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَمَلٍ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ , وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُعْتَدْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ , وَقَالَ