الصفحة 7 من 85

دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِ الْأُمَّةِ. نَعَمْ , مَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ إذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ , وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ , وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ , وَلَوْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ عَادِيٍّ , قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ رحمه الله. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَقْلِيٌّ , وَاسْتِدْلَالِيٌّ. فَالْأَوَّلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُ نَقْلُ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. إمَّا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إقْرَارٍ. فَالْأَوَّلُ: كَنَقْلِهِمْ الصَّاعَ , وَالْمُدَّ وَالْأَذَانَ , وَالْإِقَامَةَ وَالْأَوْقَاتِ , وَالْأَحْبَاسِ وَنَحْوِهِ. وَالثَّانِي: نَقْلُهُمْ الْمُتَّصِلَ كَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: كَتَرْكِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُزْرَعُ بِالْمَدِينَةِ , وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لَا يَاخُذُونَهَا مِنْهَا. قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةٌ يَلْزَمُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ , وَتَرْكُ الْأَخْبَارِ وَالْمَقَايِيسِ لَهُ , لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِيهِ. قَالَ: وَالثَّانِي: وَهُوَ إجْمَاعُهُمْ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ , فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ , وَلَا مُرَجَّحٍ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ , وَأَبِي يَعْقُوبَ الرَّازِيَّ , وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ , وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ , وَالطَّيَالِسِيِّ , وَأَبِي الْفَرَجِ , وَالْأَبْهَرِيُّ , وَأَنْكَرُوا كَوْنَهُ مَذْهَبًا لِمَالِكٍ ثَانِيهَا: أَنَّهُ مُرَجَّحٌ , وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ , وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ خِلَافُهُ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْن بْنُ عُمَرَ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ نَقْلٌ مُحَصِّلٌ لِلْعَمَلِ الْقَطْعِيِّ , وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ , وَجَمٌّ غَفِيرٌ , تُحِيلُ الْعَادَةُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤَ عَلَى خِلَافِ الصِّدْقِ , وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ أَوْلَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ وَالظَّوَاهِرِ , وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْأَوَّلُ مِنْهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ , وَمُرَجِّحٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ , وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ مُفْرَزُ الْإِيمَانِ , وَمَنْزِلُ الْأَحْكَامِ , وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْمُشَافِهُونَ لِأَسْبَابِهَا , الْفَاهِمُونَ لِمَقَاصِدِهَا , ثُمَّ التَّابِعُونَ نَقَلُوهَا وَضَبَطُوهَا , وَعَلَى هَذَا فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ إجْمَاعُهُمْ , بَلْ إمَّا هُوَ مِنْ جِهَةِ نَقْلِهِمْ الْمُتَوَاتِرِ , وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ شَهَادَتِهِمْ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ , قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ الِاسْتِدْلَالِيُّ إنْ عَارَضَهُ خَبَرٌ , فَالْخَبَرُ أَوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ , وَهُوَ الطَّرِيقُ , وَعَمَلُهُمْ الِاجْتِهَادِيُّ مَظْنُونٌ مِنْ جِهَةِ مُسْتَنَدِ اجْتِهَادِهِمْ , وَمِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ , وَكَانَ الْخَبَرُ أَوْلَى , وَقَدْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ كُلُّ الْأُمَّةِ لَا بَعْضُهَا. ا هـ. وَقَدْ تَحَرَّرَ بِهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ , وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ , وَهَؤُلَاءِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ.

اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَاتِبُ عِدَّةٌ]

وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ , وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ جُمْهُورُهُمْ. وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ بَعْضُهُمْ. فَالْمَرَاتِبُ أَرْبَعَةٌ: إحْدَاهَا: مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , كَنَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ , فَهَذَا حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَلِهَذَا رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى مَالِكٍ فِيهِ , وَقَالَ: لَوْ رَأَى صَاحِبِي كَمَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت , وَرَجَعَ إلَيْهِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. فَقَالَ: هَذِهِ بِقَائِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا صَدَقَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَلَا أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ , وَسَأَلَ عَنْ الْأَحْبَاسِ. فَقَالَ: هَذَا حَبِيسُ فُلَانٍ , وَهَذَا حَبِيسُ فُلَانٍ , فَذَكَرَ أَعْيَانَ الصَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: أَبُو يُوسُفَ: وَكُلُّ هَذَا قَدْ رَجَعْت إلَيْك. الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ , فَهَذَا كُلُّهُ هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ عِنْدَنَا أَيْضًا. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. فَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى: إذَا رَأَيْت قُدَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَبْقَ فِي قَلْبِك رَيْبٌ أَنَّهُ الْحَقُّ , وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ , فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا , وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ الصِّدِّيقِ , وَعُمَرَ , وَعُثْمَانَ , وَعَلِيٍّ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت