الصفحة 80 من 85

/ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] ، لا يقتضي أن الإمام يخير تخيير مشيئة، ففعل هذه الأربع مسائل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال، وهذا في حال. ثم أكثرهم يقولون: تلك الأحوال مضبوطة بالنص، فإن قتلوا تعين قتلهم، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وروي في ذلك حديث مرفوع. ومنهم من يقول: التعيين باجتهاد الإمام كقول مالك، فإذا رأي أن القتل هو المصلحة قتل، وإن لم يكن قد قتل.

ومن هذا الباب تخيير الإمام في الأرض المفتوحة عنوة بين جعلها فيء ا، وبين جعلها غنيمة، كما هو قول الأكثرين ـ كأبي حنيفة، والثوري، وأبي عبيد، وأحمد في المشهور عنه ـ فإنهم قالوا: إن رأي المصلحة جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، وإن رأي أن لا يقسمها جاز، كما لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، مع أنه فتحها عنوة شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة، والسيرة المستفيضة، وكما قاله جمهور العلماء؛ ولأن خلفاءه بعده ـ أبو بكر، وعمر، وعثمان ـ فتحوا ما فتحوا من أرض العرب والروم وفارس، كالعراق، والشام، ومصر، وخراسان، ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين الغانمين، لا السواد، ولا غير السواد، بل جعل العقار فيء ا للمسلمين داخلا في قوله: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الحشر: 7] ، ولم يستأذنوا في ذلك الغانمين، بل طلب كثير من الغانمين قسم العقار فلم يجيبوهم إلى ذلك، كما طلب بلال من عمر أن يقسم أرض الشام، وطلب منه الزبير أن يقسم أرض مصر، فلم يجيبوهم إلى ذلك، ولم يستطب أحد من الخلفاء أحدًا من الغانمين في ذلك.

وهذا مما احتج به من جعل الأرض فيء ا بنفس الفتح، ومن ذلك نص مذهبه كإسماعيل ابن إسحاق، وقالوا الأرض ليست داخلة في الغنيمة، فإن الله حرم على بني إسرائيل المغانم، وملكهم العقار، فعلم أنه ليس في المغانم. وهذا القول هو الذي يذكر رواية عن أحمد، كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعي: إنه يجب قسم العقار، والمنقول؛ لأن الجميع مغنوم، وقال الشافعي: إن مكة لم تفتح عنوة، بل صلحا، فلا يكون على منها حجة. ومن حكي عنه أنه قال: إنها فتحت عنوة ـ كصاحب الوسيط وغيره ـ فقد غلط عليه، وقال: لأن السواد لا أدري ما أقول فيه، إلا أن أظن فيه ظنا مقرونًا بعلم، وظن أن عمر استطاب الغانمين، كما روي قيس بن حارثة. وبسط هذا له موضع آخر.

وقول الجمهور أعدل الأقاويل وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول، وهم الذين قالوا: نخير الإمام بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة لا تخيير شهوة ومشيئة، وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية: كناظر الوقف، ووصى اليتيم، والوكيل المطلق، لا يخيرون تخيير مشيئة وشهوة، بل تخيير اجتهاد ونظر وطلب الجواز الأصلح ـ كالرجل المبتلى /بعدوين، وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما. فيبتديء بماله أنفع ـ كالإمام في تولية من يوليه من ولاة الحرب، والحكم، والمال ـ يختار الأصلح فالأصلح للمسلمين (فمن ولي رجلًا على عصابة وهو يجد فيهم من هو أرضًا لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين) .

وهذا بخلاف من خير بين شيئين فله أن يفعل أيهما شاء ـ كالمكفر إذا خير بين الإطعام والكسوة والعتق، فإنه وإن كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل المفضول. وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل، وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره، وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك تخيير الآكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة، وإن كان نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى إذا تعين المأكول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت