الصفحة 71 من 85

رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء) . ففي هذا دليل على جواز الاستسلاف فيما سوي المكيل والموزون من الحيوان ونحوه، كما عليه فقهاء الحجاز والحديث، خلافًا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ذلك؛ لأن القرض موجبه رد المثل، والحيوان ليس بمثلي، وبناء على أن ما سوي المكيل والموزون لا يثبت في الذمة عوضًا عن مال. وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريبًا في الذمة، كما هو المشهور من مذاهبهم؛ خلافًا للكوفيين ووجه في مذهب أحمد أنه يثبت بالقيمة.

وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه هو التقريب، وإلا فيعز وجود حيوان مثل ذلك الحيوان؛ لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي، وأنه مضمون في الغصب والإتلاف بالقيمة.

وأيضًا، فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ، وفيه روايتان عن أحمد. إحداهما: يجوز كقول مالك. وحديث جابر الذي في الصحيح يدل عليه.

/وأيضًا، فقد دل الكتاب في قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] ، والسنة في حديث بروع بنت واشق، وإجماع العلماء: على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم، وإذا مات عند فقهاء الحديث، وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت واشق، وهو أحد قولي الشافعي. ومعلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود، فلو كان التحديد معتبرًا في المهر ما جاز النكاح بدونه، وكما رواه أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتي يبين له أجره، وعن بيع اللمس، والنجش، وإلقاء الحجر)، فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر، وأن الإجارة لا تجوز إلا مع تبيين الأجر، فدل على الفرق بينهما.

وسببه: أن المعقود عليه في النكاح ـ وهو منافع البضع ـ غير محدودة، بل المرجع فيها إلى العرف، فكذلك عوضه الآخر؛ لأن المهر ليس هو المقصود، وإنما هو نحلة تابعة، فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه. وكذلك لما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم، وخيرهم بين السبي وبين المال، فاختاروا السبي، وقال لهم: (إني قائم فخاطب الناس، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله/ صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ونستشفع بالمسلمين على رسول الله) . وقام فخطب الناس، فقال: (إني قد رددت على هؤلاء سبيهم، فمن شاء طيب ذلك، ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا) فهذا معاوضة عن الإعتاق، كعوض الكتابة بابل مطلقة في الذمة، إلى أجل متفاوت غير محدود.

وقد روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتي ألجأهم إلى قصرهم، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح، ويخرجون منها. واشترط عليهم ألا يكتموا، ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. فهذا مصالحة على مال متميز غير معلوم.

وعن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر، والبقية في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتي يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد أو غارة. رواه أبو داود. فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة/ الجنس، غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت