الصفحة 70 من 85

ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث: أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة كانت من ضمان البائع، كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة. فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) . وفي رواية لمسلم عنه: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح) .

والشافعي ـ رضي الله عنه ـ لما لم يبلغه هذا الحديث ـ وإنما بلغه حديث لسفيان بن عيينة فيه اضطراب ـ أخذ في ذلك بقول الكوفيين: إنها تكون من ضمان المشتري؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض؛ لأن التخلية بين المشتري وبينه قبض. وهذا على أصل الكوفيين أمشي؛ لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر، وإنما موجب العقد عندهم: القبض الناجز بكل حال. وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه، مع /أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك، مع أني لا أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون من مال البائع، وينفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا. ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار الصحيح يوافقه. وهو ما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟) فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند كمالها ونضجها، لا عند العقد، كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء المنفعة شيئًا فشيئًا. فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين المؤجرة قبل التمكن من استيفاء المنفعة، وفي الإجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق. فكذلك في البيع.

وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة، وأن المشتري لم يملك الإبقاء. وهذا الفرق لا يقول به الشافعي، وسنذكر أصله.

فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتي يبدو صلاحها. وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبايعوا الثمر حتي يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة) وفي لفظ لمسلم عنه: (نهى عن بيع النخل حتي تزهو، وعن السنبل حتي يبيض ويأمن العاهة: نهى البائع والمشتري وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتي يحرز من كل عارض) .

/فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدومًا، فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد وليس المقصود الأمن من العاهات النادرة، فإن هذا لا سبيل اليه؛ إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين {أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُون} [القلم: 17، 18] ، وما ذكره في [سورة يونس] في قوله: {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس: 24] ، وإنما المقصود ذهاب العاهة التي يتكرر وجودها، وهذه إنما تصيب الزرع قبل اشتداد الحب، وقبل ظهور النضج في الثمر؛ إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله، ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح. وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر؛ لأنه لا يكمل جملة واحدة. وإيجاب قطعه على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر.

فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج اليه على مفسدة الغرر اليسير، كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم وعلمها أمته.

ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه، غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع الراجح، أفسد كثيرًا من أمر الدين، وضاق عليه عقله ودينه.

/وأيضًا، ففي صحيح مسلم عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع اليه أبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت