الصفحة 5 من 85

(وَإِنْ اُعْتُبِرَ) بِالرِّجَالِ دُونَ الْمَوْضِعِ , فَإِنَّ الَّذِينَ نَزَلُوا الْكُوفَةَ هُمْ عُمْدَةُ أَهْلِ (عِلْمِ) الدِّينِ وَأَعْلَامُهُ. مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , وَابْنُ مَسْعُودٍ , وَحُذَيْفَةُ , وَعَمَّارٌ , وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ , وَآخَرُونَ , مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ , فِيهِمْ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا , فَلِمَ خَصَصْت بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ؟ دُونَ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَسَائِرَ الْأَمْصَارِ؟ وَلِخَصْمِك أَنْ يُعَارِضَك فَيَقُولَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ , دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ , وَهُمْ أَعْلَامُ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاؤُهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا خَصَصْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ , لِأَنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ , وَلِأَنَّ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُمْ أَخَذُوا , كَمَا كَانَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ , لِأَنَّهُمْ عَنْهُمْ أَخَذُوا. قِيلَ لَهُ: فَتَعْتَبِرُ إجْمَاعَ (أَهْلِ) الْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ثَبَتُوا بِالْمَدِينَةِ , وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْهَا دُونَ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا , وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ؟ أَوْ تَعْتَبِرُ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ كَانُوا بَعْدَ الصَّحَابَةِ؟ فَإِنْ قَالَ: أَعْتَبِرُ إجْمَاعَهُمْ خَاصَّةً فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ , وَبَعْدَهُمْ , وَلَا أَعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهَا , قَالَ قَوْلًا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بُطْلَانُهُ , لِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , (وَعَبْدُ اللَّهِ) بْنُ مَسْعُودٍ , وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ , وَنُظَرَاؤُهُمْ , خِلَافًا , وَكَفَى بِهَذَا خِزْيًا لِمَنْ بَلَغَهُ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي الْأَصْلِ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّمَا اعْتَبَرْت إجْمَاعَهُمْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ الصَّحَابَةِ فَهَلَّا اعْتَبَرْت إجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ , لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ انْتَقَلُوا إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ سَائِرَ النَّاسِ لَمَّا أَخَذُوا عَنْهُمْ (وَجَبَ) لُزُومُ اتِّبَاعِهِمْ , كَمَا لَزِمَ التَّابِعِينَ اتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا عَنْهُمْ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ أَخَذُوا عَمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَاعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , لِأَنَّ {النَّبِيَّ عليه السلام دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَدَحَهُمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَفِي مُدِّهِمْ} , وَقَالَ: {مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ} , وَقَالَ: {إنَّ الْإِيمَانَ لَيَارِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَارِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا} , وَقَالَ: {إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ} , فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ دَعَا لَهُمْ , وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ , وَمَدَحَهُمْ - وَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ , لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو لَهُمْ وَلَا يَمْدَحُهُمْ إلَّا وَهُمْ مُؤْمِنُونَ. قِيلَ لَهُ: وَمَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ مِمَّا يُوجِبُ كَوْنَ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةً , وَكَيْفَ وَجْهُ تَعَلُّقِ صِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ بِهِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الثَّلْجُ} , لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِلَافِ (عَلَيْهِمْ) إرَادَتُهُمْ بِسُوءٍ , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ الصَّحَابَةُ حِينَ اخْتَلَفَتْ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي اجْتَهَدُوا فِيهَا آرَاءَهُمْ قَدْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِسُوءٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُهَاجِرِينَ وَأَنْصَارًا , وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي الْمَدِينَةِ , ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ كُنْت إنَّمَا جَعَلْت إجْمَاعَ هَؤُلَاءِ حُجَّةً , فَهَذَا مَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ , وَإِنْ أَرَدْت إجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ , فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْت بَعْدَ ذَهَابِ الصَّحَابَةِ؟. (وَمَعْنَى) قَوْلِهِ: {إنَّ الْإِيمَانَ لَيَارِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَارِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا} : إنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ , هَاجَرَ إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ دُونِ الشِّرْكِ , فَلَمَّا زَالَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ زَالَ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَعْدَ زَوَالِ الْهِجْرَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ فِي قَبِيلَتِهِ وَحَيِّهِ وَبَلَدِهِ , وَلَا يُهَاجِرَ إلَيْهَا , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ الْآنَ. وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَهْلَ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ وَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ , وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ , وَعَدَمِ الْخَيْرِ مَا اسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ , وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكًا شَاهِرًا سَيْفَهُ} وَهَذَا يَدُلُّ: عَلَى حِرَاسَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ , وَأَنَّهُ قَدْ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ. ا هـ.

أَبَانَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ , فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ مَزِيَّةٌ فِي لُزُومِ اتِّبَاعِهِمْ. قِيلَ لَهُ: وَمَا فِي هَذَا مَا يُوجِبُ مَا ذَكَرْت , وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَحْرُوسَةً سَوَاءٌ صَارَ أَهْلُهَا إلَى الضَّلَالِ , أَوْ ثَبَتُوا عَلَى الْحَقِّ؟ كَمَا حَرَسَ أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ , وَكَانُوا مُشْرِكِينَ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهَا بِأَنَّ عَلَى أَنْقَابِهَا الْمَلَائِكَةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَصَرَهَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ , فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ حِرَاسَةِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا بِالْمَلَائِكَةِ , وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَهَا , فَيَكُونُ حُكْمُ الْخَبَرِ مَقْصُورًا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت