الصفحة 59 من 85

والطريقة الثانية: أن قتال مانعى الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين، وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين، وهو الذى يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره، ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره.

وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع، حتى في الأموال. فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج، وقد نص أحمد في رواية أبى طالب في حرورية كان لهم سهم في قرية فخرجوا / يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون، فأرضهم فئ للمسلمين، يقسم خمسه على خمسة، وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم، أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم، مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين. فجعل أحمد الأرض التى للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار. وبالجملة، فهذه الطريقة هى الصواب المقطوع به.

فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا، وسيرة على ـ رضي الله عنه ـ تفرق بين هذا وهذا. فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرح بذلك، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة. وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر. وقال في أهل الجمل وغيرهم: إخواننا بغوا علينا، طهرهم السيف. وصلى على قتلى الطائفتين.

وأما الخوارج، ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة) .

وفى صحيح مسلم، عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذى/ كانوا مع على، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال على: أيها الناس، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدى، عليه شعرات بيض) . قال: فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام، ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا. فقال لهم: القوا الرماح، وسلّوا سيوفكم من حقوتها، فإنى أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم. قال: وأقبل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال على: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه. فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض. قال: أخروهم. فوجدوه مما يلى الأرض. فكبر، ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلمانى. فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذى لا إله إلا / هو، أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إى والله الذى لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا، وهو يحلف له أيضا.

فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد، وفى مذهب الشافعى ـ أيضا ـ نزاع في كفرهم.

ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى: أحدهما: أنهم بغاة. والثانى: أنهم كفار كالمرتدين، يجوز قتلهم ابتداء، وقتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت