الصفحة 62 من 85

وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء: 150، 151] ، واليهود والنصارى داخلون في ذلك، وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين.

وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب، فإنه كان يهوديا متفلسفا، ثم انتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف، وضم إلى ذلك الرفض. فهذا هو أعظم من عندهم من ذوى الأقلام، وذاك أعظم من كان عندهم من ذوى السيف. فليعتبر المؤمن بهذا.

وبالجملة، فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهى داخلة في اتباع التتار؛/لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين، وأبعدهم عن اتباعه، وأعظم الخلق اتباعًا للظن وما تهوى الأنفس.

وقد قسموا الناس أربعة أقسام: يال، وباع، وداشمند، وطاط ـ أى: صديقهم وعدوهم والعالم والعامى ـ فمن دخل في طاعتهم الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم. ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله وأوليائه. وكل من انتسب إلى علم أو دين سموه [داشمند] كالفقيه والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب والكاتب والحاسب، فيدرجون سادن الأصنام. فيدرجون في هذا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع ما لا يعلمه إلا الله، ويجعلون أهل العلم والإيمان نوعًا واحدًا.

بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسى وأمثاله، هم الحكام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من المسلمين واليهود والنصارى. وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان، حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والإلحاد والكفر بالله ورسوله، بحيث تكون موافقته للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة والرافضة على ما يريدونه أعظم من غيره.

/ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لابد له منه، لأجل من هناك من المسلمين، حتى إن وزيرهم الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفًا، مضمونه أن النبى صلى الله عليه وسلم رضى بدين اليهود والنصارى، وأنه لا ينكر عليهم، ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم، ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام. واستدل الخبيث الجاهل بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون] ، وزعم أن هذه الآية تقتضى أنه يرضى دينهم، قال: وهذه الآية محكمة؛ ليست منسوخة. وجرت بسبب ذلك أمور.

ومن المعلوم أن هذا جهل منه، فإن قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ، ليس فيه ما يقتضى أن يكون دين الكفار حقًا ولا مرضيًا له، وإنما يدل على تبرئه من دينهم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذه السورة: (إنها براءة من الشرك) ، كما قال في الآية الأخرى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] ، فقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ، كقوله: {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [البقرة: 139] ، وقد اتبع ذلك بموجبه ومقتضاه حيث قال: {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} . ولو قدر أن في هذه السورة ما يقتضى أنهم لم يؤمروا بترك دينهم، فقد علم بالاضطرار من /دين الإسلام بالنصوص المتواترة وبإجماع الأمة أنه أمر المشركين وأهل الكتاب بالإيمان به، وأنه جاءهم على ذلك، وأخبر أنهم كافرون يخلدون في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت