تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تجهز لأخرى مثلها فكأن قد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن مت ما الداعي علي بمُخْلد [1]
ولهذا قال الشافعي أيضًا:
ألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في ملكه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فكان جزاؤك أن خصني ... وسد عليك باب الطلب
وقصة البخاري وقصة سيبويه مشهورتان، وقد مات كل واحد منهما غمًا وكمدًا من سوء ما تعرض له من معاملة قاسية من قرن من معاصريه، فمات البخاري طريدًا مشردًا من الحافظ الذهلي، ومات سيبويه بعد أن تآمر عليه إمام القراء وإمام النحاة وهو قرن له وهو الكسائي.
وقد وجدت أثرًا لهذه الظاهرة استرعى انتباهي وهو أن بعض المؤلفين يختمون كتبهم بما يؤذن بشعورهم بمرارة بسبب ما وقع من بعض معاصريهم، فقد أنشد السيوطي في خاتمة كتابه الإتقان أبياتًا قديمة مشهورة وهي:
ادأب على جمع الفضائل جاهدًا ... وأدم لها تعب القريحة والجسد
واقصد بها وجه الإله ونفع من ... بلغته ممن جدَّ فيها واجتهد
واترك كلام الحاسدين وبغيهم ... هملًا فبعد الموت ينقطع الحسد
وكذلك فعل ابن هشام النحوي في خواتم بعض كتبه فقد أنشد هو الآخر قول القائل:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غمًا بما يجد
ويقول الزمخشري:
زمان كل خب فيه خب ... وطعم الخل خل لو يذاق
لهم سوق بضاعتها نفاق ... فنافق فالنفاق له نفاق
ولئن كان المشتغلون بنقد الأسانيد قد تنبهوا لهذا الأمر فقد تنبه له بعض الفقهاء أيضًا، يقول خليل بن إسحاق المالكي وهو يعد المواطن التي لا تقبل فيها الشهادة لأجل العداوة يقول:"ولا عالم على مثله"،
(1) السير: 10/ 72.