الصفحة 8 من 14

فمجرد كونهما عالمين متعاصرين يجعلهما في مظنة العداوة بحيث يكون ظن ذلك ظنًا غالبًا يمنع قبول شهادة أحدهما على الآخر.

وقال المواق في التاج والإكليل عند قول خليل المتقدم:"ولا عالم على مثله"قال ابن وهب: لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم أشد تحاسدًا [1] .

ومن المعلوم أن ابن عرفة قد خالف ما ذهب إليه خليل وشراحه في هذه المسألة، ولا يهمنا هنا ما هو القول الراجح بل الذي يهمنا هو أن المعاصرة سبب من أسباب ظهور الخلاف قد لا يفطن له الكثيرون، فلا يكاد الناس يعرفون لعالم قدره إلا بعد أن يوارى جثمانه الثرى ولسان حاله معهم ينشد قول القائل:

لا ألفينك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادا

السبب الحادي عشر:

هو أن إنكار القياس والالتفات إلى العلل والمقاصد عند أهل الظاهر ومن على شاكلتهم يقابله توسع شديد في النظر إلى المقاصد والعلل عند آخرين، مما يجعل هوة الخلاف بينهما متسعة بشكل كبير حتى وصل الأمر ببعض العلماء ــ كالنووي ــ إلى عدم اعتبار أهل الظاهر في الإجماع بحيث يمكن أن يعد الإجماع منعقدًا مع وجود المخالفين منهم.

ومما يدخل تحت هذا السبب القول بسد الذرائع المفضية إلى الحرام.

السبب الثاني عشر:

حول النسخ، وقد نشأ عن الخلاف في مسألة النسخ خلاف في فروع كثيرة لا تكاد تدخل تحت حصر، ومن أشهر مواطن هذا الخلاف هنا موطنان:

الأول: هل الزيادة على النص نسخ؟ فمذهب الأحناف أنها نسخ، ومن الأمثلة التي يظهر فيها الخلاف في هذه المسألة مسألة اشتراط أن تكون الرقبة في الظهار مؤمنة حملًا على الرقبة في كفارة القتل، فمذهب الأحناف أن الإيمان في رقبة كفارة الظهار ليس مشروطًا؛ لأن الله قال فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ومقتضى الآية إجزاء الرقبة المطلقة فمن قيدها بالإيمان كان زائدًا على النص، والزيادة على النص نسخ.

يقول إمام الحرمين في البرهان: ووجه ادعائهم كونها نسخًا أن مقتضى الخطاب يتضمن الإجزاء مع الإطلاق، والزائد يرفع الإجزاء في الإطلاق وهو متضمن الآية فاقتضت الزيادة رفع ما تضمنه الإطلاق من الإجزاء فكان ذلك نسخًا من هذه الجهة [2] .

(1) التاج والإكليل.

(2) البرهان 1/ 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت