الموطن الثاني: هو أن تكون الآية قد نسخت آيات كثيرة كآية السيف فقد زعم جماعة أنها نسخت ما يربو على مائة آية، ويعنون بذلك آيات الدعوة للكفار والحوار معهم والمهادنة والموادعة معهم، ولا شك أن هذا بعيد عن صوب التحقيق.
السبب الثالث عشر:
هو أن في كل مذهب من المذاهب مدرستين إحداهما تدعو إلى الأخذ بما قام عليه الدليل ولو لم يكن هو مشهور المذهب، والأخرى تدعو إلى الأخذ بما تسميه مشهور المذهب ولو خالف الدليل، ونرى أن هذا الخلاف ناشئ عن الخلفية العلمية لكل واحدة من المدرستين، فهنا من أتباع المذهب من اشتغلوا بالحديث والتفسير مع الاشتغال بفروع الفقه، وهنالك من شغلهم حفظ الفروع والتخريجات عن الاشتغال بالدليل.
ولا شك أن الطائفة التي تشتغل بالدليل من أتباع المذهب هي صاحبة التحقيق والتوفيق عند مواطن النزاع، ومن هذه الطائفة من الشافعية ابن حجر والنووي على سبيل المثال لا الحصر، وإليكم هذا المثال: يقول النووي بعد إيراده لحديث مسلم في نقض الوضوء بلحم الإبل: احتج أصحابنا ــ يعني الشافعية ــ بأنباء ضعيفة في مقابل هذين الحديثين، وكأن الحديثين لم يصحا عند الإمام الشافعي.
ولذا قال إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، والصحيح في ذلك ــ والكلام لا يزال للنووي ــ ما ذهب إليه الإمام أحمد وعامة أصحاب الحديث .. إلى أن قال: الجديد المشهور لا ينقض وهو الصحيح عند الأصحاب والقديم أنه ينقض وهو ضعيف عند الأصحاب، لكنه هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل وهو الذي أعتقد رجحانه، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه واختياره والذب عنه [1] .
ومحل الشاهد عندي من هذا أن البيهقي والنووي من عظماء أئمة الشافعية، وهما من أئمة الحديث في نفس الوقت.
وقد ظهر الخلاف في المذهب المالكي بين المدرستين، مدرسة الدليل ومدرسة التقليد، أقول ظهر بينهما ظهورًا أشد من ظهوره بين غيرهم من أهل بقية المذاهب، ولم يخلُ ما جرى من ذلك بين هاتين المدرستين من نتف وطرائف.
ومن ذلك ما جرى بين منذر بن سعيد البلوطي من علماء الأندلس وبين معاصريه من الأندلسيين فقد قال مخاطبًا لهم:
(1) المجموع 2/ 70.