ونحن هنا نعترف مع المختصيّن العرب (2) أنّ الأمن القومي العربي مازال مفهومًا مُتحرّكًا من حيث الاتفاق مع تعريفه وتحديده ورسم معالمه. وما زالت صلته بالأمن القطري ضبابية غائمة. فأين يبدأ القومي وينتهي، وأين أوّل القطري وأين آخره؟!.. وما هي معايير الخطر القومي، وما هي حدود السيادة القطرية في تجاوز مفهوم الأمن القومي؟!.. وأين هذه الحدود، هل رُسمت، ومن يرسمها؟! ما هي القوى القطرية التي يمكن احتسابها في خانة الأمن القومي، وكيف يمكن تحويل هذه القوى القطرية إلى قدرات قومية تنظمها وتعبئها وتطوّرها وتستخدمها قيادات قومية متخصّصة؟!. وما هي القيادات والمؤسّسات والأجهزة التي يجب أنْ تتولى شؤون الأمن القومي بجوانبه السياسيّة والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلميّة؟!.
كيف يمكن الانتقال من الأمن القومي كأمل منشود وجهد فكر مبذول إلى الأمن القومي كسياسات واستراتيجيات وخطط وبرامج؟!. ثمّة إشكاليات وتساؤلات كثيرة وهامّة مطروحة أمام الباحثين والمفكّرين والسياسيّين والمختصّين بشؤون الأمن القومي العربي. ولا تدّعي هذه الدراسة أنها ستجيب على جميع هذه التساؤلات، أو تقدّم حلولًا ناجزة لمسائل التحدّي العلمي التقني الذي يواجه الأمن العربي بوصفه أحد أشكال التحدّيات الضخمة في بداية القرن القادم. وكلّ ما تطمح الدراسة إليه، أن تساعد في عرض أبرز الرؤى والأطروحات والأفكار والمعطيات، التي من شأنها إعطاء تصوّر أقرب إلى الواقع، وتحفيز الأذهان للتفكير في مسألة تُعدّ من أخطر المسائل، التي تواجه الأمّة العربيّة في صراعها الاستراتيجي مع الصهيونية العالمية، وقاعدتها الإقليمية الاستيطانية -التوسّعية-"إسرائيل".