ونشير هنا إلى ضرورة الاستفادة من الكفاءات والأُطر البشريّة العلمية العربية المهاجرة، من خلال تنظيم مؤتمرات للعلماء والخبراء والباحثين العرب المغتربين في الأقطار العربية، وطلب مساعدتهم وخبراتهم، وتبادل المشورة الدائمة معهم للإطلاع على أحدث الابتكارات والاختراعات والتطبيقات الحديثة في مجالات البحث والتطوير. ونقترح إقامة مشاريع مشتركة مع رجال الأعمال من أصل عربي، وإعادة ربطهم بوطنهم وقضايا أمتهم. فالعرب ـ مجتمعين ـ يملكون طاقات بشرية ومادّية وإبداعية هائلة، ينقصها التنسيق والعقلانية والتخطيط والحشد والتوجيه الصحيح، والإرادة الجماعية الصادقة والحرة. فليس من المعقول أن يستثمر العرب خارج الوطن العربي"65"دولارًا مقابل دولار واحد داخل الوطن العربي. وعندما نقول إنّ إمكاناتنا هائلة، فإنّ الواقع يؤكّد هذه الحقيقة. فكليّة الهندسة في جامعة القاهرة وحدها يعمل فيها سبعمائة أستاذ من حملة الدكتوراه ومن ذوي الخبرات العالية. ومع ذلك فإنّ أقطار عربيّة تستقدم أعدادًا كبيرة ممّن يُطلق عليهم لقب"الخبراء"من الدول الأجنبية (وقد يكونون من آسيا وغيرها) ، حيث يتقاضون بساعات أكثر ممّا يُدفع لأمثالهم من العرب لأشهر؟! 1 (فالمثل يقول"زامر الحيّ لا يُطرب!!) . والأمر نفسه ينطبق على أوضاع وحالات"عجائبية"عربية لا حصر لها."
فالمشكلة الحقيقية ليست مشكلة علم وتكنولوجيا، بل هي مشكلة عقلية تحكمها مفاهيم القبلية والريعية، والخوف من القريب .. والشكّ بكلّ ما يمتّ إلى العرب بصلة. يقابل ذلك ـ في الوقت نفسه ـ الاستسلام التام للغريب، والثقة المطلقة بنواياه ومخططاته، وتسليمه مقاديرنا الاستراتيجية والاقتصاديّة والمالية والمستقبلية.
فلابدّ من تغيير لهذه العقلية المتخلّفة ومفرزاتها، في إطار تغيير مجتمعي بنيوي قائم على دراسات تنبؤيّة ذات طبيعة مستقبلية استراتيجية شاملة، تأخذ بحسبانها التكامل العربي، والاستغلال العقلاني الأمثل لمواردنا العلمية والمالية والطبيعية، والبشرية بوجه خاص.