وقد كرسنا الفصل الأول من هذا الكتاب لتتبّع نشوء التيارات والاتجاهات الصهيونية، وأبرز مُنّظّريها و"آبائها الروحيّين"ودُعاتها، والأفكار والمكوّنات الفلسفيّة -اللاّهوتية الناظمة لأنشطتها وتحرّكاتها وأساليبها، بما في ذلك تنظيماتها وأعمالها الإرهابية ضد القرى والبلدات والمدنيّين الآمنين من عرب فلسطين، والتي نفّذتها بوحشية غير مسبوقة جماعات"الأرغون"وعصابات"الهاغاناه"و"شتيرن"حيث تفاخر بها قادتهم وزعماؤهم المعاصرون، مثل: بيغن وشامير وغولدامائير ودايان ورابين وغيرهم. مُظهرين التأثيرات الفكريّة للعنصريّة الصهيونيّة في تكوّن أنماط محدّدة من الشخصية العدوانية (الإسرائيلية) ، التي تتسّم (وفق دراسات وأبحاث ميدانية أشرنا إلى مصادرها ونتائجها) بجملة من المآزق النفسيّة والاجتماعية والعصبيّة والأخلاقيّة، كمفرزات سلوكيّة للحركة الصهيونيّة، و"التربية" (الإسرائيلية) العدوانية على مدى حوالي قرن من الزمن. وهو ما دفع الباحث الأمريكي (اليهودي) باري بلخمان لوصف الانتقامات (الإسرائيلية) بأنها"سلوك قومي إسرائيلي".
ولكن في المقابل بدأت في (إسرائيل) بعد اتفاقات (كامب ديفيد) تتبلور حركة جديدة للتغلغل السلمي (ثقافيًا وعلميًا) في الجسد العربي، ضمن استراتيجية مدروسة لزعزعة ثوابت الوجدان القومي ومكوّنات الذاكرة الجماعيّة لأمّتنا، بغية هزّ قناعات الأجيال الجديدة، واختراق المرتكزات والقناعات التاريخية والدينية والقومية والحضارية لهذه الأجيال، ومن ثم تحطيم إرادتها في البقاء والوجود المستقل، تمهيدًا للإجهاز النهائي على هويّتها وشخصيّتها ومستقبلها برمّته، فقامت بالتخطيط والتنفيذ الدقيق والمبرمج مجموعة كبيرة من مراكز البحوث العلميّة والمعاهد والهيئات والجامعات (الإسرائيلية) في البلدان العربية، التي وقعت اتفاقات سلام مع (إسرائيل) .