الصفحة 15 من 19

وقد غضب المسلمون نفسيًا من رد المسلمين الفارين بدينهم حتى قالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: (نعم، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) [1] .

هذا الصلح الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذه الشروط وفي ظل حنق المسلمين وغضبهم إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية الصلح لدى الرسول صلى الله عليه وسلم بل لدى الإسلام حيث نزلت الآيات من فوق سبع سموات سمته بالفتح (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس) ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) [2] .

وحقًا كان هذا الصلح فتحًا عظيمًا للقلوب حيث دخل في الإسلام من بعد الصلح عام ست من الهجرة إلى عام فتح مكة في ثمان آلاف مؤلفة، حيث جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح حديبية ومعه حوالي 1500، في حين جاء في فتح مكة ومعه ثمانية آلاف.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من أشد المتمسكين بتنفيذ بنود العقود معه ـ كما سبق ـ والمحافظين عليه، حتى إن بعض شباب قريش الطائشين أرادوا أخذ مسكر المسلمين غرة، وكان عددهم ثمانين شابًا، لكنهم أسروا، فعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحهم [3] مع أنه كان بالإمكان أن يجعل ذلك سببًا لنقض الاتفاقية، كما عفا عن سبعين أسيرًا أسرهم المسلمون بعد الصلح، وعن أربعة حاولوا الإيقاع بالرسول فأخذهم سلمة بن الأكوع [4] .

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن انس بن مالك: أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسللين يريدون غرّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم مسلمًا فاستحياهم، فانزل الله عز وجل: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) [5] .

وفي هذه الآية دلالة أخرى على أهمية الصلح وعدم الوقوع في الحرب حيث إن الله تعالى امتن بذلك على المؤمنين، مما يدل على انه من النعم الكبرى، وان الحرب من حيث هي ليست محببة في الإسلام.

يقول الشيخ محمد عبدالله دراز: (ومن هنا نرى ان الحرب في نظر الإسلام شرّ لا يلجأ إليه إلا المضطر، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح) [6] .

(1) صحيح مسلم (3/ 1412)

(2) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ كتاب المغازي (7/ 452)

(3) صحيح مسلم، الجهاد (3/ 1442)

(4) انظر: تفصيل بنود الصلح في صحيح مسلم (3/ 1433 - 1441) الحديث 1807، والسيرة الصحيحة (2/ 000446)

(5) صحيح مسلم (3/ 1442) الحديث 1808، والآية من سورة الفتح 24

(6) دراسات إسلامية للدكتور محمد عبدالله دراز، ط. دار القلم بالكويت عام 1979 ص 142

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت