أ ـ الجانب الخاص بالمسلمين حيث قام بتوحيد أواصر الاخوة الحقيقية فيما بينهم من خلال التآخي بين المهاجرين بعضهم وبعضهم، ثم بين المهاجرين والأنصار حيث أشرك الأنصار حقًا إخوانهم المهاجرين في أموالهم، وفي نخيلهم وثمارهم [1] .
ب ـ الجانب العام الشامل كل من يعيش على أرض المدينة من المسلمين واليهود وغيرهم من خلال الوثيقة التي كانت الدستور لتنظيم العلاقة بين أهل المدينة على أساس المساواة في المواطنة في الحقوق والواجبات والدفاع عن المدينة ونحوها [2] .
ثم كانت العلاقة بين الدولة الإسلامية الفتية وقريش، والقبائل المحيطة بها علاقة هجوم وحرب من قبلهم عليها، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقف الدفاع عن الإسلام ودولته مع حرصه الشديد على الدعوة أولًا والتصالح معهم، ولكنهم كانوا لا يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم.
وأما موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الدول المحيطة بالجزيرة هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا رؤساءها من خلال رسائل إليهم إلى الدخول في الإسلام، وحينئذٍ يبقون على حكمهم مع إجراء الإصلاحات والعدالة التي يقتضيها الإسلام.
ويمكن تلخيص العلاقة الدولية في حالة السلم، وفي حالة الحرب في الآيات الثلاث في سورة المتتحنة وهي: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [3] ، فالآية الأولى تبين أن الإسلام يتطلع إلى إزالة العداوة، وتحقيق المودة بكل الوسائل المتاحة، وأما الآية الثالثة تبين العلاقة بين المسلمين وغيرهم في حالة السلم وعدم الاعتداء حيث تقوم على ما يأتي: ... 1 ـ البر والإحسان ... 2 ـ والعدل والميزان.
وأما الآية الثانية فتبين العلاقة مع غير المسلم في حالة الحرب والعداوة حيث تقوم على أن يتحد المسلمون ويكون ولاؤهم لله تعالى وللمؤمنين بالمحنة والنصرة، وأن لا تكون نصرتهم لهؤلاء الكفرة المحاربين ومع ذلك تقوم على العدل والإنصاف حتى في حالة الحرب.
والعظيم في هذه الآية أنها جاءت في سورة تبدأ بما فعله أعداء الله تعالى مع المسلمين، وما يريدون أن يفعلوه معهم: (يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) [4] ثم يقول الله تعالى: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون) [5] ومع ذلك أمر الله تعالى فيها بالعدل وعدم
(1) يراجع: أ. د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة ط. قطر (1/ 240)
(2) المرجع السابق (1/ 272 - 289)
(3) سورة الممتحنة / الآية (9،8،7) ويراجع التفسير الكبير للرازي ط. إحياء التراث العربي (29/ 303)
(4) سورة الممتحنة / الآية (1)
(5) سورة الممتحنة / الآية (2)