الصفحة 8 من 19

الظلم، كما أكد ذلك قوله تعالى: (لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) [1] .

والأعظم من ذلك أن سورة الممتحنة نزلت بعد سورة البراءة مما يبعد كل البعد مسألة النسخ ونحوه، حيث برهنت السورة على أن هؤلاء المشركين كانوا لا يرعون عهودهم، بل إنهم قد خانوا الله وخانوا المؤمنين، ومع ذلك تؤكد هذه الآيات على أن يتعامل المسلمون مع غيرهم على قواعد العدل في جميع الأحوال، وعلى قواعد البر والإحسان أيضًا إذا لم يمارسوا ضد المسلمين الظلم والإخراج والقتل والإرهاب، فالقاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية هي جعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان وفيما عدا ذلك تكون العلاقة هي البر والإحسان، فالإسلام ليس براغب في الخصومة، ولا مقطوع بها كذلك، وهو في حالة الخصومة ستبقى أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة انتظارًا لليوم الذي تجتمع فيه النفوس على المحبة والسلام.

يقول سيد قطب:(وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، الصادر عن إله واحد، المتجه إلى إله واحد، المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي، من وراء كل اختلاف وتنويع، وهي أساس شريعته الدولية، التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعًا هي الحالة الثابتة، لا يغيرها إلاّ وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة، وهي تهديد بالاعتداء؛ أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وهو كذلك اعتداء، وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين.

ثم هي القاعدة التي تتفق مع التصور الإسلامي الذي يجعل القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية هذه العقيدة دون غيرها؛ ويجعل القيمة التي يضن بها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها، فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلاّ حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله.

هذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون، فمن وقف معهم تحتها فهو منهم، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم، ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم، ولم يصد الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه.

إن المسلم يعيش في هذه الأرض لعقيدته، ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله، فلا خصومة على مصلحة، ولا جهاد في عصبية ـ أي عصبية ـ من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب، إنما الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون عقيدته هي المنهج المطبق في الحياة) [2] .

فالإسلام لم يحمل السلاح لفَرض عقيدته بالقوة والإكراه فقال تعالى: (لا إكراه في الدين) [3] كما أن فكرة الهيمنة والاستعلاء فكرة مرفوضة في الإسلام، فقال تعالى: (تلك الدار الآخرة

(1) سورة المائدة / الآية (2)

(2) في ظلال القرآن / سيد قطب، ط. دار الشروق بالقاهرة 1406 هـ (6/ 3544 - 3545)

(3) سورة البقرة / الآية (256)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت