شرط المأمور أن لا يكون غيره أفضل منه؛ لأن الدعاء هو بحسب مطلوب العبد لم يذكر دعاء معينا أمر به كما أمر بالفاتحة بقوله: «اهدنا الصراط المستقيم» والدعاء الواجب لا يكون إلا معينا وإن كان جنس الدعاء واجبا فمعلوم أن الدعاء جائز في نفس الصلاة وخارج الصلاة وأكثر الأدعية المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت في آخر الصلاة كما في الحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: «أن أجوب الدعاء جوف الليل الآخر و دبر الصلاة» . فعلم أن الدعاء دبر الصلاة - لا سيما قبل السلام. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الغالب فهو - أجوب سائر أحوال الصلاة؛ لأنه دعاء بعد إكمال العبادة. وأما السجود فإنما ذكره والركوع لأنه قال: «إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا: أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» [1] فلما نهى عن القراءة في هذين الحالين ذكر ما يكون بدلا مشروعا لمن أراد فخص الركوع بالتعظيم؛ والسجود بالدعاء. فجمع الأقسام الثلاثة: القراءة والذكر والدعاء.
الوجه العاشر: ومما يبين فضل الذكر على المسألة: ما ثبت عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَفْضَلُ الْكَلامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهِيَ مِنَ الْقُرْآنِ لا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَاتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» .
الوجه الحادي عشر:"أيضا"فالثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث «أفضل الذكر. لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن حصول مطلوبه قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل:
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
ولهذا يقول في الدعاء المأثور: «أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض» . فسأله بأن له الحمد فعلم بأن الاعتراف بكونه مستحقا للحمد
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، حديث رقم: 479.