فهرس الكتاب
سبق ذكره في تلك المسألة
الترجيح:
الراجح _والله أعلم_ هو القول الأول، وهو عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق، أو حصول ضرر مادي عليه، إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل، وذلك لما يلي:
أولًا: قوة أدلة القول الأول، وعدم صمود أدلة القول الثاني أمام المناقشة الواردة عليها.
ثانيًا: أن التعويض هنا زيادة في مقابل تأخر الأجل، فيكون ربًا محرمًا، فيمنع منه، ولو كان المماطل ظالمًا.
ثالثًا: أن ظلم المماطلة في الديون منفك عن الضرر الحقيقي الواقع على الدائن؛ إذ لم يكن بسبب منه.
رابعًا: أن تحميل المماطل فوق ما تحتمله ذمته ظلم له، وهي أضرار لم يتسبب بها، فكيف يلزم بضمانها، وقد نص العلماء أن المماطل يضمن ما تسبب به من أضرار مالية تلحق بالدائن، كأجور الشكوى، وتحصيل الدَّين، إذ هذه أضرار حاصلة بسبب ظلم المدين المماطل دون الأضرار الخارجة عنه، والتي قد تحصل لأي إنسان ماطله مدينوه أم لم يماطلوه، بل قد لا يكون دائنًا لأحد.
ويمكن إرجاع سبب الخلاف في مسألة التعويض -والله أعلم- إلى ثلاثة أمور، وهي ما يلي:
الأمر الأول: هل الزيادة المفروضة على المدين المماطل، زيادة ربوية أم لا؟.
الأمر الثاني: هل المدين المتأخر عن الوفاء ظلمًا - وهو المماطل- أشبه بالدائن المتأخر عن الوفاء بعذر وهو المعسر، أو من لا يجد مالًا حاضرًا يفي بدينه، أم شَبَهُهُ بالغاصب أقرب؟
الأمر الثالث: حكم أرباح النقود والأموال المماطَل فيها؟
فأما الأمر الأول: فمن رأى أن الزيادة المفروضة على المدين في مقابل التأخير ربا، فقد منع التعويض مطلقًا، ولو لحق الدائن ضرر؛ إذ إن هذه الأضرار قد تلحق المرء ولو لم يكن دائنًا، وليس هناك تسبب من المماطل بحصولها، والدائن قد دخل مع المدين على ألا يعطيه إلا حقه، والمطل لا يوجب زيادة في الدَّين، وظلمه له يستحق عليه التعويض في الآخرة، والعقوبة الزاجرة في الدنيا.