بوضوح على وجوب الاستثمار حتى تكون نفقة هؤلاء المحجور عليهم (من الأطفال والمجانين) في الأرباح المتحققة من الاستثمار وليست من رأس المال نفسه.
يقول الإمام الرازي:"اعلم أنه _تعالى_ أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال"، قال _تعالى_:"وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ" [الإسراء: 26 - 27] . وقال _تعالى_:"وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا" [الإسراء: 29] وقال _تعالى_:"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا" [الفرقان: 67] وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة، حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل يؤيد ذلك؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال"، ثم قال:"وإنما قال:"فيها"ولم يقل"منها"لئلا يكون ذلك أمرًا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقًا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أمواله مكانًا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوها أرزاقهم من الأرباح، لا من أصول الأموال ...." (5) "
* ومن الأدلة المعتبرة أن وجوب الزكاة في الأموال يدفع أصحابها إلى التجارة؛ لأنه إن لم يتاجروا فيها تأكلها الصدقة والنفقة، وهذا ما يؤيده الفكر الاقتصادي الحديث، حيث يفرض أنواعًا من الضرائب لدفع أصحاب الأموال إلى عدم اكتنازها، بل قد وردت أحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الصحيح أو الحسن الذي ينهض به حجة على وجوب التجارة في أموال الصغار (اليتامى وغيرهم) والمحجور عليهم: السفهاء، والمجانين، وناقصي الأهلية، فقد روى الشافعي بإسناده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال:"ابتغوا في مال اليتيم -أو في أموال اليتامى - لا تذهبها- أو لا تستهلكها- الصدقة"وقد قال البيهقي والنووي:"إسناده صحيح، ولكنه مرسل معضد بعموم النصوص الأخرى وبما صح عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم" (6)
قال البيهقي:"وهذا -أي حديث ابن ماهك- مرسل إلا أنا الشافعي_رحمه الله_ أكده بالاستدلال بالخبر الأول، وهو عموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقًا- وبما روى عن الصحابة في ذلك" (7)
وقال النووي:"ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ موقوفًا عليه بلفظ:"وابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة"وقال: إسناده صحيح، ورواه أيضًا عن علي بن مطرف ..." (8)