وهذا القسم مباح أو مستحب أو واجب بحسب درجته في المصلحة.
وباستصحابنا لما سبق تقريره من أن عقود المعاملات المالية من باب الوسائل؛ فإن إبرام عقود المعاملات المالية مع الكفار (25) لا يخرج عن الأقسام الأربعة الآنفة الذكر وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: من أبرم مع الكفار أو غيرهم عقدًا يحصل بمقتضاه على أمر محرم، فهذا العقد باطل ولا إشكال في تحريمه، وهو يندرج تحت القسم الأول من أقسام الوسائل وهو ما عبّر عنه ابن القيم بقوله:"وسلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة" (26) .
ثانيًا: من أبرم مع الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، عقدًا يحصل بمقتضاه على مباح، وقصده في ذلك: دعم اقتصاديات هذه الدول الكافرة، والنهوض بالمستوى المعيشي في تك المجتمعات؛ فلا شك في تحريم هذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار، لما يترتب عليه من إعزاز لمن أذل الله، وموالاة للكفار.
وهذه الصورة من صور التعامل الاقتصادي تندرج تحت القسم الثاني من أقسام الوسائل، وهو ما عبر عنه ابن القيم بقوله:"وسيلة موضوعة للمباح قُصِد التوسل بها إلى المفسدة" (27) .
ثالثًا: من أبرم من الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، عقدًا يحصل بمقتضاه على مباح، وقصده في ذلك نفع نفسه، إلا أن هؤلاء الكفار يجنون من وراء هذه الصفات التجارية أرباحًا يسخرون جزءًا منها في إلحاق الضرر بالمسلمين، عن طريق قتلهم وتشريدهم من ديارهم وزعزعة عقائدهم، وتخريب اقتصادياتهم. وهذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، وإن كان مباحًا في أصله، إلا أنه يفضي إلى ما تقدم ذكره من المفاسد، فالذي يظهر - والله أعلم - أن التعامل معهم والحالة هذه غير مشروع من حيث الحكم العام - هذا إذا كانت السلع المستوردة منهم من قبيل الضروريات أو الحاجيات وكان لها بدائل من دول محايدة - أما في الوقائع الخاصة، فقد يتغير فيها الحكم التكليفي تبعًا لتغير الملابسات والأحوال، وسنُلقي مزيدًا من الضوء على هذه المسألة في المبحث الثالث من هذا الفصل - إن شاء الله تعالى-.
والذي يظهر أن هذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار الذي سبق بيانه، يندرج تحت القسم الثالث من أقسام الوسائل وهو ما عبر عنه ابن القيم بقوله:"وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا" (28) .
رابعًا: من أبرم مع الكفار المعاهدين المحايدين عقدًا يحصل بمقتضاه على مباح، فهذا لا شك في إباحته من