وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كانت هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال ولا عن جميع الطوائف" (الدرر السنية 7/ 98) .
2)انعقاد إجماع الأمة على أن الجهاد فرض كفاية، والمخاطب به أصلًا الجميع حتى يقوم به من فيه كفاية وقدرة، فيسقط الوجوب حينئذ عن الباقين، ما لم يصبح فرض عين،
قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري عن الجهاد في تفسيره (4/ 269 ط دار الكتب العلمية) :"هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه كفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين ... وعلى هذا عامة العلماء المسلمين"انتهى.
وقال ابن عطية في تفسيره:"الذي استقر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد _صلى الله عليه وسلم_ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين"، (تفسير القرطبي 3/ 38) .
3)أن الجهاد نوعان:
النوع الأول: جهاد الفتح، وهو طلب العدو في أرضه، فهذا النوع لا يشترط لصحته وجود الإمام، بل إذا كان الإمام قائما بالجهاد فإنه لا يسوغ الافتئات عليه والتقدم إليه، إلا عن إذن الإمام ورأيه، إذ الأمر موكول إليه، فاستئذانه واجب لا شرط صحة، فيأثم من جاهد دون إذنه، وجهاده صحيح، فإن لم يكن هناك إمام أو فقد أو قتل فإن هذا الجهاد لا يتعطل، قال ابن قدامة في (المغني 10/ 375) :"فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد؛ لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب أحكام الشرع"، اهـ، فلو كان وجوده شرطًا لصحة الجهاد لوجب تعطيل الجهاد وتأخيره حتى يوجد الإمام، ولما ساغ المضي فيه بدعوى المصلحة، ولما حلت الغنيمة،
وكذا إذا كان الإمام موجودًا، إلا أنه تعذر على أهل الجهاد استئذانه، فإن لهم أن يمضوا دون إذن الإمام مراعاة للحاجة.
قال ابن قدامة في (المغني 10/ 390) :
"لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه حينئذ؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم"انتهى، فلو كان وجود الإمام وإذنه شرطًا لصحة جهاد الطلب لما صح الجهاد في حال عدم وجوده، ولما صح مع وجوده دون إذنه عند الحاجة، إذ الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وهنا لم يبطل الفقهاء جهاد الطلب في هاتين الحالتين، فدل ذلك على أن وجوده ليس شرطا لصحة هذا النوع من الجهاد، بل المراعى في الحالتين تحقق المصلحة ودفع المفسدة كما علل بذلك ابن قدامة _رحمه الله_.
النوع الثاني: وهو جهاد الدفع عن أرض المسلمين: فالأمر فيه أوضح وأجلى إذ لا يشترط له أي شرط إطلاقًا، بل على كل أحد الدفع بما استطاع، فلا يستأذن الولد والده، ولا الزوجة زوجها، ولا الغريم غريمه، وكل هؤلاء أحق بالإذن والطاعة من الإمام، ومع ذلك سقط حقهم في هذه الحال؛ إذ الجهاد فرض عين