فهرس الكتاب
وقال في الشرح الكبير:"وجمله ذلك: أن المغصوب متى كان باقيًا وجب رده، لقوله_صلى الله عليه وسلم_:"على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (10) ، فإن غصب شيئًا فبَعَّدَه لزم رده، وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ لأنه جنى بتبعيده، فكان ضرر ذلك عليه" (11) .
وجاء في المنتهى مع شرحه:"وعلى غاصب رد مغصوب قدر عليه، ولو بأضعاف قيمته" (12) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم:"وذلك أن العلماء نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان شخص آخر عليه أن ذلك الشخص هو الذي يتحمل تلك الغرامة" (13) .
ومما سبق يتبين أن العلماء يرون تضمين المعتدي - وهو المدين المماطل- المتسبب في الضرر الحقيقي الذي يلحق بالدائن لما يلي:
1)أن إلجاء الدائن للمخاصمة، وتغريمه المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، والضرر هنا لا يمكن إزالته إلا بتعويض الدائن ما خسره من نفقات التقاضي والتحصيل (14) .
2)أن هذه الأموال المبذولة لتحصيل الحق والمطالبة به واقعة بسبب امتناع المماطل من السداد، فيضمنها لتسببه فيها، كما لو أتلفها (15) .
3)أن عدم إلزام المدين المماطل بالتعويض عن أضرار التقاضي والترافع يجرئ المماطلين على المماطلة، وأكل أموال الناس بالباطل، ويحمل أصحاب الأموال إلى رفع الدعاوى للمطالبة بها، فتكثر الخصومات، ويُشْغَل القضاة، وتُتْعَب جهات التنفيذ بغير حق، ويتأخر وفاء الدَّين المدد الطويلة، فتصبح المماطلة مركبة من مماطلة المدين الأول، ومماطلة إجراءات التقاضي والمرافعة، إذ يلزم من الترافع التأخر لأجل النظر في الدعوى، ثم سماع البينة، ثم إثباتها، ثم الحكم بناء عليها، ومن ثَمَّ يُطْلَب تمييزها، وبعد تمييزها، تذهب لجهات التنفيذ الأخرى، وهذا الأعمال الطويلة إن قام بها الدائن بنفسه لحقته مشقة بالغة، وإن وكَّل بها من يقوم بالمرافعة والمطالبة غرم له أجرة، والعدل أن لا يجتمع على الدائن ظلمان، ظلم تأخير حقه، وظلم غرامة ما بذله لأجل تحصيل حقه الثابت له، فتعين تحميل المماطل الظالم نفقات المطالبة وتحصيل المال.
4)أن عدم تحميل المدين نفقات الدعوى قد يحمل أصحاب الحقوق على ترك حقوقهم، وعدم المطالبة بها، إذ تُكَلِّف نفقات التقاضي أحيانًا أكثر من ماله الذي يطالب به (16) .
ولا أظن أن أحدًا من العلماء يخالف في مضمون هذا القول، وقد صدر ما يوافقه في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية، ونصه:"يتحمل المدين"