فهناك شيئان إذن ننتظر أن نجدهما في الكتاب الذي يتلو كتاب «التنبيه» .
أحدهما بحث أصناف الألفاظ الدالّة وتعديد هذه الأصناف. وهذا البحث يجب أن يقرّر هل صناعة النحو العربيّ فيها «مقدار الكفاية في التنبيه على أوائل» صناعة المنطق عامّة، وفي تعديد أصناف الألفاظ الدالّة على ما تشتمل عليه صناعة المنطق خاصّة. وإذا اتّفق أن لم يكن فيها مقدار الكفاية، فإنّ الفارابيّ سيقوم بتعديد أصناف الألفاظ التي في العربيّة الدالّة على ما تشتمل عليه صناعة المنطق. والفارابيّ يبحث في هذا كلّه في مفتتح كتاب «الألفاظ» (الفقرة 1 وما بعدها) ويقرّر عند بحث الحروف أنّها أصناف كثيرة، «غير أنّ العادة لم تجر من أصحاب علم النحو العربيّ إلى زماننا هذا بأن يفرد لكلّ صنف منها اسم يخصّه، فينبغي أن نستعمل في تعديد أصنافها الأسامي التي تأدّت إلينا عن أهل العلم بالنحو من أهل اللسان اليونانيّ فإنّهم أفردوا كلّ صنف منها باسم خاصّ» (الفقرة 2) . ويبيّن الفارابيّ السبب الذي دعاه إلى تصنيف الحروف هذا التصنيف، فيقول «و نحن متى قصدنا تعريف دلالات هذه الألفاظ فإنّما نقصد للمعاني التي تدلّ عليها هذه الألفاظ عند أهل صناعة المنطق فقط ... إذ كان إنّما نظرنا حيننا هذا فيما تشتمل عليه هذه الصناعة وحدها» (الفقرة 3) ، ثمّ يعدّد أصناف الحروف (الفقرات 4 - 8) . والشيء الثاني هو أنّ الفارابيّ سيلخّص في الكتاب الذي سيفتتحه بتعديد أصناف الألفاظ الدالّة «كتابا من كتب الأوائل به يسهل الشروع» في صناعة المنطق، وهو كتاب فورفوريوس الصوريّ المسمّى «إيساغوجي» . وهذا شيء يعمله الفارابيّ في كتاب «الألفاظ» بعد الانتهاء من تعديد أصناف الحروف (الفقرة 9 وما بعدها) .
وخلاصة القول إنّ كتاب «الألفاظ» هو الجزء الثاني من كتاب جامع للفارابيّ في المنطق يسمّى «الأوسط الكبير» أو «المختصر الكبير» وإنّ الجزء الأوّل من هذا الكتاب هو كتاب «التنبيه» والجزء الثالث هو كتاب «المقولات» .