أن يكون للمتعلّم في ذلك الشيء أحوال ثلاثة. أحدها أن يتصوّر ذلك الشيء ويفهم [معنى] ما سمعه من المعلّم، وهو المعنى الذي قصده المعلّم بالقول. والثاني أن يقع له التصديق بوجود ما تصوّره أو فهمه عن لفظ المعلّم.
والثالث حفظ ما قد تصوّره ووقع له [التصديق به] . وهذه الثلاثة هي التي لا بدّ منها في كلّ شيء يتعلّم بقول . والمعلّم فإنّما ينبغي أن ينحو أبدا نحو أن يحصّل للمتعلّم هذه الثلاثة بالجهات التي يكون تحصيلها أسهل إمكانا، وأن يكون الذي يحصل على أجود ما يمكن أن يحصل. وجهات التعليم التي تستعمل في تحصيل هذه الثلاثة تسمّى أنحاء التعليم. وأنحاء التعليم تختلف بحسب اختلاف الأمور التي تستعمل في التعليم وبحسب اختلاف جهات استعمال كثير من تلك الأمور عند التعليم.
(41) والأمور التي تستعمل إنّما ينحى بها نحو تلك/ الأحوال الثلاثة التي ينبغي أن تحصل للمتعلّم في الشيء الذي يتعلّمه. وهذه الأمور كثيرة، منها استعمال الألفاظ الدالّة على الشيء وحدّ الشيء وأجزاء حدّه وجزئيّاته [ (و كلّيّاته) ] ورسوم الشيء وخواصّه وأعراضه وشبيه الشيء ومقابله والقسمة والمثال والاستقراء [و القياس] ووضع الشيء بحذاء العين. وهذه كلّها ما عدا القياس فتنفع في تسهيل الفهم والتصوّر. وأمّا القياس فإنّ شأنه أن يوقع التصديق بالشيء فقط. والذي قصدنا أن يقع به التصديق ينبغي أن يتصوّر قبل ذلك على الكفاية ثمّ يطلب التصديق به، فإن علم صدقه بنفسه لم يحتج إلى القياس ،