ولكن قد كانت تحيتهم حاضرة كما يقال للميت: جزاك الله عنا خيرًا، وأحسن الله إليك ونحو ذلك لمن قد تولى عنهم ولم يتوجه إليهم. وفي الكلام المعروف قول القائل: يا حسرتا ويا ويلتا، كقوله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56] ، وقول امرأة إبراهيم: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] .
وليس في الخارج حسرة وويل يُنادى، وإنما ذاك متصور في نفسه لما حضرت الحسرة في نفسه نادى ما تيقن حضوره في نفسه، ويدل على معناه: يا حسرة احضري فهذا وقتك، وهو قول سيبويه.
ومعلوم أن هذا أبلغ لكن لا يتنزل إليه من مكان آخر، وإنما تحدث في نفسه، فإذا ناداها قبل حضورها لأجل تصورها في نفسه عُلم أنه ينادي ما يتصور في القلب وإن لم يكن حاضرًا، ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] فهو خطاب لمعلوم مراد خلقه وهو شيء في العلم لا في الخارج، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أن الصلاة والسلام عليه مأمور به جميع الأمة وإن بعُدت دارهم، فعلم أن هذا الدعاء واصل إليه، وكذلك ما أمر به من سؤال الوسيلة بعد الآذان بأن يقال: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة