فهذا في زيارة قبور الكفار والمسلمين لأجل تذكر الآخرة لا لأجل الدعاء لهم ولا الدعاء عندهم، ولهذا زار قبر أمه ولم يدع لها، وفيها مصلحة تذكر الآخرة.
وأما الزيارة للدعاء لهم فقد ثبت في صحيح مسلم أنه كان يخرج إلى البقيع يدعو لهم [1] ، وفي الصحيحين أنه في آخر عمره ذهب إلى شهداء أُحد، وصلى عليهم كصلاته على الميت [2] .
فهذا يقتضي أن الدعاء للميت عند قبره له مزية وإلاّ لم يخرج صلوات الله عليه، والصلاة على الجنازة إنما تشرع إذا كانت حاضرة مع إمكان الحضور باتفاق العلماء، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على جنازة حتى تحضر، لكن إذا تعذر حضورها إما لكونه قد دفن وإما لكونه غائبًا، فهذا فيه نزاع بين العلماء، أما الغائب فليس فيه إلاّ حديث النجاشي [3] ، وأما الصلاة على القبور ففيه عدة أحاديث صحيحة [4] ، وهو مذهب فقهاء الحديث قاطبة، وجعل الصلاة عليه وهو في قبره بدلًا عن الصلاة عليه وهو بارز عند تعذر بروزه، وكلاهما يدل على أن
(1) رواه مسلم (974) كتاب الجنائز، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) رواه البخاري (1343) كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهيد، ومسلم (2296) كتاب الفضائل، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري (1245) كتاب الجنائز باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، ومسلم (951) كتاب الجنائز، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) انظر صحيح البخاري (1336) كتاب الجنائز، وصحيح مسلم (954) كتاب الجنائز، وما بعده من الأحاديث.