جبريل - عليه السلام - زعيم ومبعوث له في كل زمان ومع كل رسول دور ينفذه، يبعث مبشرًا برحمة تلحق المؤمنين، وبنصر يسوقه للصابرين، ويبعث مدمرًا للطغاة والمتجبرين، يعرف خالقه تمام المعرفة إنه ممن يسبحون الليل والنهار لا يفترون، غضب لربه الأعلى حين هذى فرعون بقوله: أنا ربكم الأعلى، فشهد هلاكه وصادق عليه، ووقف في السماء ينادي إبراهيم حين ألقاه قومه في النار: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فرد الخليل: أما لك فلا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، فشهد نجاته صادق عليها.
جبريل نزل على محمد يغطه ثلاثًا ويقول: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العلق: 1 - 3] رجف فؤاد محمد، واهتز جسده، وخشي على نفسه، فنزل من الجبل ودخل على زوجه خديجة يقول: «زملوني زملوني» ، فزملته الصالحة حتى ذهب عنه الروع، فلما علمت الخبر قالت: «كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» .
هكذا فهمت المرأة الصالحة أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، لقد أحسنت الاختيار حين بعثت إليه تخبره برغبتها فيه زوجهًا، لقد قاسته رجلًا مختلفًا عن كل الرجال الذين عرفت والمتقدمين لخطبتها فثقلت كفته