الصفحة 14 من 157

و القول الثالث هو للمتكلم الأديب اللغوي الجاحظ (ت 250 أو 255 هجرية) ، و صف فيه العرب بأنهم كانوا أميين لا يكتبون، و مطبوعين لا يتكلفون. و ذكر قولا لشيخ بصري يقول فيه: (( إن الله جعل نبيه أميا لا يكتب، و لا يحسب، و لا ينسب ... ليتفرد الله بتعليمه ) ) [1] .

و القول الرابع هو للغوي النحوي الأديب محمد بن قتيبة (ت 276 هجرية) ، يقول فيه: (( إنما قيل لمن لا يكتب: أمي، لأنه نُسب إلى أمة العرب، أي جماعتها. و لم يكن ممن يكتب من العرب إلا قليل، فنُسب من لا يكتب إلى الأمة، فقيل: أمي، كما نقول: رجل عامي، نُنسبه إلى عامة الناس. ثم لزم هذا الاسم كل من لا يكتب. فقيل: العرب أميون ) ) [2] .

و القول الخامس هو للمؤرخ البلاذري (ت 279 هجرية) ، إنه عندما ترجم لعبد الله بن صفوان بن أمية، وصفه بأنه (( كان أميا لا يقرأ و لا يكتب ) ) [3] .

و آخرها- أي القول السادس- هو للمحدث الفقيه ابن خزيمة (ت 311 هجرية ) ) ، وصف فيه النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنه كان أميا لا يكتب و لا يحسب [4] .

و ختاما لما ذكرناه يُستنتج منه أن معنى أمي و أميين في القرآن و اللغة العربية، و عند علماء الشريعة و اللغة، ليس كما زعم الجابري بأنه يعني العرب غير الكتابيين، و أن القرآن لا ينفي معرفة النبي بالقراءة و الكتابة. فهذا زعم باطل، و تأويل فاسد. و إنما يعني أن معنى أمي هو الذي لا يعرف القراءة و الكتابة. و بما أن القرآن وصف النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنه أمي، و أنه ما كان يتلو من كتاب و لا يخطه بيمينه، فإن هذا يعني بالضرورة أنه-عليه الصلاة و السلام- كان لا يعرف القراءة و الكتابة.

(ب) : استدلال الجابري بالروايات التاريخية و الحديثية:

استدل الجابري بروايات تاريخية و حديثية كشواهد على صحة ما زعمه من أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يقرأ و يكتب. فلم تصح استدلالاته، و لم يُوفق في زعمه. و تبيان ذلك فيما يأتي:

من ذلك إنه استدل على رأيه، بخروج النبي-صلى الله عليه و سلم- إلى الشام للتجارة، فذكر أنه: (( كان قبل النبوة يتردد على الشام في تجارة لخديجة، التي تزوجته بسبب ما لمسته من أخلاقه و كفاءته، و أنه من غير المتوقع أن يكون جاهلا بالكتابة و الحساب، و هو يقوم بمهام التجارة. بينما كان أقرانه ممن هم أقل شأنا منه يعرفون ذلك. أدركنا كم هي راجحة الأراء التي قالت بأن النبي-صلى الله عليه و سلم- كان يعرف الكتابة و القراءة ) ) [5] .

(1) الجاحظ: البيان و التبيين، الطبعة الأولى دار صعب - بيروت، 1968 ج 1 ص: 405، 574.

(2) ابن قتيبة: غريب الحديث، الطبعة الأولى مطبعة العاني - بغداد، 1397 ج 1 ص: 384.

(3) البلاذري: أنساب الأشراف، ج 1 ص: 264.

(4) ابن خزيمة: صحيح ابن خزيمة، تحقيق: مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي - بيروت، 1390 - 1970 ج 3 ص: 207.

(5) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت