فهرس الكتاب
و قوله لا يصح لأنه أولا ليس صحيحا أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يتردد على الشام للتجارة، لأنه لم يكن تاجرا محترفا، حتى يُقال: إنه كان يتردد على الشام. و الثابت في السيرة النبوية أن رسول الله لم يخرج إلى الشام إلا مرتين، الأولى خرج فيها مع عمه أبي طالب و كان ما يزال صغيرا. و الثانية خرج فيها إلى الشام للتجارة في أموال خديجة-رضي الله عنها- قبل زواجه بها. و لم يخرج إلى الشام إلا في هاتين السفرتين، الأولى لم يكن فيها تاجرا، و الثانية هي التي كان فيها تاجرا [1] . فليس صحيحا ما ذكره الجابري من أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يتردد على الشام للتجارة، فهو لم يتردد عليها أبدا، لا من أجل التجارة، و لا من أجل أمر آخر. فزعمه هذا هو من قبيل التحريف و التغليط و التدليس، و كان عليه أن يُوثق زعمه إن كان صحيحا ما قاله.
و ثانيا إن استدلاله بأن خروج النبي-عليه الصلاة و السلام- إلى التجارة يعني أنه من غير المتوقع أن يكون لا يعرف الكتابة، هو استدلال ضعيف، و مُستبعد أيضا، و لا يثبت بالنسبة للرسول و لكثير من الناس. لأن ممارسة التجارة لا تستلزم معرفة الكتابة، فكم من تاجر لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و يعتمد أساسا على ذاكرته القوية التي لا تخونه إلا نادرا. و هذا أمر معروف و مُشاهد في زماننا هذا. و النبي-عليه الصلاة و السلام - لم يكن تاجرا محترفا، و لا شبه محترف، و لا تاجرا أصلا، و إما خرج تاجرا مرة واحدة في حياته. الأمر الذي يعني أن استنتاج الجابري غير صحيح.
و ثالثا إنه سبق أن أثبتنا أن القرآن الكريم نص صراحة على أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب. و هذا وحده كاف لإبطال زعم الجابري، لأن ما قرره القرآن لا يمكن رده برواية تاريخية، و لا باستنتاج، و لا بتأويل.
و أما استدلاله الثاني -على ما ذهب إليه- فيتمثل في أنه استدل بحديث نزول الوحي أول مرة على النبي-عليه الصلاة و السلام- في غار حراء. فأورد روايتين، الأولى رواها محمد بن إسحاق و مفادها أن جبريل نزل على رسول الله في غار حراء و هو نائم، و عرض عليه كتابا و قال له: اقرأ، فرد الرسول بقوله: (( ما أقرأ ) )، ثم كرر عليه الأمر ثانية، فرد عليه: (( ما أقرأ ) ). فكرر عليه الأمر للمرة الثالثة، فقال رسول الله: (( ماذا أقرأ ) )مرتين، فقال جبريل: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) )-العلق: 1 - ، فقرأها النبي-عليه الصلاة و السلام- [2] .
و أما الرواية الثانية فقد رواها البخاري، و فيها أن النبي-عليه الصلاة و السلام- لما أمره جبريل بالقراءة - دون ذكر للكتاب- قال: ما أنا بقارئ. كرر ذلك ثلاثا،
(1) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 1 ص: 180، 187. و ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل، مكتبة الخانجي - القاهرة، ج 1 ص: 183. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 2 ص: 72. و ابن القيم: زاد المعاد في هدى خير العباد، الطبعة الرابعة عشر، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت، 1407 - 1986 ج 1 ص: 183.
(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 78.