الصفحة 16 من 157

فكان جبريل في كل مرة يضمه ثم يطلقه، و بعد الثالثة قال له: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) )-العلق: 1 - [1] .

و ذكر الجابري أن عبارة (( ما أقرأ ) )في رواية ابن إسحاق، تُفيد النفي و الاستفهام معا، فيمكن حملها على أن الرسول نفى أنه يقرأ، و يمكن حملها على أنه استفهم و طلب ماذا يقرأ. ثم رجّح الجابري الفهم الثاني، لأن الرواية نفسها ذكرت أن الرسول قال أيضا (( ماذا اقرأ ) )، مما يعني أن رد النبي-عليه الصلاة و السلام- كان استفهاميا عما يُريد منه أن يقرأ، و ليس نفيا بأنه لا يعرف القراءة. و هذا يعني ضمنيا أن الرسول كان يعرف القراءة لأنه طلب ماذا يقرأ، و لم ينف معرفته بالقراءة [2] .

و أما رواية البخاري فيرى الجابري أن عبارة (( ما أنا بقارئ ) )الواردة فيها، فهي تفيد نفي معرفة النبي للقراءة. لكن يمكن حملها أيضا على النفي و الاستفهام معا كما في رواية ابن إسحاق (( ما أقرأ ) )؛ و ذلك باعتبار أن الباء زائدة في لفظ البخاري (( ما أنا بقارئ ) )، كقولنا: ما أنا فاعل بكم؟. فتكون عبارة البخاري تفيد النفي و الاستفهام معا ن خلاف عبارة ابن إسحاق الثانية (( ماذا أقرأ ) )، فهي لا يمكن حملها على إلا على الاستفهام. و من ثم يكون النبي رد على جبريل استفسارا عما يريد منه أن يقرأ، و ليس نفيا لمعرفة القراءة [3] .

ثم أشار الجابري إلى أنه يُمكن أن يٌقال: إن القراءة التي أُمر بها النبي-عليه الصلاة و السلام- بقراءتها هي قراءة التلاوة و الحفظ، و ليست القراءة من الكتاب. ثم رجّح الرأي القائل بأن القراءة المأمور بها هي القراءة من كتاب، و ليس مجرد التلاوة، لأن رواية ابن إسحاق ذكرت أن جبريل جاء بكتاب إلى رسول الله، و قال له: اقرأ. و لا يمكن أن يفعل ذلك لو لم يكن يعرف أن النبي يُحسن القراءة في كتاب. و يري أيضا أن ذكر الكتاب مرتين في رواية ابن إسحاق هي قرينة واضحة تُشير إلى أن الأمر يتعلق بشخص يعرف الكتابة و القراءة، و يُريد أن يُبين لمخاطبه نوع مشاعره عندما خاض هذه التجربة مع جبريل. و من دون (( إعطاء هذه الوظيفة للعبارتين اللتين ذَكر فيهما النبي (( الكتاب ) )سيكونان فضلا من القول، و نحن ننزه النبي-صلى الله عليه و سلم- عن ذلك )) [4] .

و أقول: إن النتيجة التي وصل إليها لا تصح، بناها على تحليل غير صحيح، و فهم مُخالف للحقيقة الشرعية و التاريخية المتمثلة في أن رسول الله كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و تفصيل ذلك فيما يأتي:

(1) نفسه، ص: 78، 79.

(2) نفسه، ص: 79.

(3) نفسه، ص: 79.

(4) نفسه، ص: 79، 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت