فهرس الكتاب
أولا إنه-أي الجابري- لم يُفرق بين الرواية الصحيحة، و الرواية الضعيفة، و كان عليه أن يتأكد أولا من صحة رواية ابن إسحاق التي قدّمها على الرواية الصحيحة التي رواها البخاري و مسلم و أحمد [1] . و هذا خطأ منهجي كبير وقع فيه الجابري في التعامل مع الروايات، فلم يحقق رواية ابن إسحاق، و بنى عليها رأيه، بعدما أخضعها للتأويل الفاسد، و جعلها حكما على رواية البخاري، و هذا عمل غير مقبول علميا.
فبالنسبة لإسناد رواية ابن إسحاق، فهو لا يصح لأن فيه انقطاعا و جهالة الراوي. و ذلك أن الراوي الذي حدّث عنه ابن إسحاق روى الخبر عن مجهول، عبّر عنه بقوله: (( عن بعض أهل العلم ) ) [2] . و نفس الرواية ذكرها ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق بإسناد مغاير، فقال: (( قال ابن إسحاق وحدثني وهب بن كيسان، قال: قال عبيد: ) ) [3] ،و هذا الإسناد هو أيضا لا يصح لانقطاعه و إرساله، لأن عبيدا هذا هو عبيد بن عمير بن قتادة، و هو تابعي و ليس صحابيا [4] . و نفس الرواية ذكرها الطبري [5] ، لكنها لا تصح لأن إسنادها هو نفس الإسناد السابق. و روى أيضا رواية أخرى شبيهة برواية ابن إسحاق [6] . لكنها لا تصح ÷ي أيضا، لأن راويها هو عبد الله بن شداد، و هو تابعي و ليس صحابيا [7] . فحديثه هذا مرسل.
و بناء على ذلك فإنه لا يصح الاعتماد على رواية ابن إسحاق، في وجود الرواية الصحيحة التي رواها البخاري و مسلم و أحمد. فهذه الرواية هي الحكم و المنطلق، و ليست رواية ابن إسحاق، التي لا يصح الاعتماد عليها في أمر خطير كالذي نحن نبحث فيه. فهي رواية ضعيفة يمكن الاستئناس بها و تكون تابعة للرواية الصحيحة التي رواها البخاري و مسلم و أحمد.
و ثانيا إنه على فرض قبول رواية ابن إسحاق، فإنه يجب فهمها انطلاقا من نصوص القرآن و الأحاديث الصحيحة، كرواية البخاري و مسلم السابق ذكرها التي نصت على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب. الأمر الذي يعني أن عبارة (( ما أقرأ ) )التي وردت في رواية ابن إسحاق تعني النفي فقط، بمعنى أن معناها: أنا لا أقرأ، و لا تحتمل النفي و الاستفهام معا كما قال الجابري. و بما أن القرآن الكريم نص على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، فإن القول بأن عبارة ابن إسحاق تحتمل النفي و الاستفهام معا، هو قول غير صحيح، و إنما هي نافية و ليست استفهامية.
(1) البخاري: الصحيح، الطبعة الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، 1407 - 1987 ج 1 ص: 4. و مسلم: الصحيح، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ج 1 ص: 139. و أحمد بن حنبل: المسند، ج 6 ص: 232.
(2) ابن إسحاق: السيرة، ج 2 ص: 101.
(3) ابن هشام: سيرة ابن هشام، ج 2 صك 68.
(4) ابن حجر: التقريب، تحقيق: محمد عوامة، الطبعة الأولى دار الرشيد - سورية، 1406 - 1986 ج 1 ص: 377.
(5) تاريخ الطبري، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 1407 ج 1 ص: 532.
(6) نفسه، ج 1 ص: 532.
(7) ابن حجر: المصدر السابق، ج 1 ص: 307.