فهرس الكتاب
و بما أن الأمر كذلك فإن العبارة الثانية التي في رواية ابن إسحاق (( ماذا أقرأ ) )، تعني: ماذا أقول شفويا، و ما ذا أردد تلاوة، و لا تعني القراءة من كتاب.
و رابعا إن كلا من الروايتين -أي رواية ابن إسحاق و البخاري- أشارت إلى أن جبريل-عليه السلام- ضمّ النبي-عليه الصلاة و السلام- و غتّه بقوة شديدة ثلاث مرات، و ثم يُرسله في كل مرة. فعل به ذلك عندما كان يأمره بالقراءة فيقول رسول الله: ما أنا بقارئ في رواية البخاري، و: ما أقرأ في رواية ابن إسحاق. و هذا يعني أن معناهما واحد، و هو نفي الرسول عن نفسه معرفته بالقراءة، فكان كلما ينفي ذلك يضمه جبريل و يغته. فلما فهم أن مراد جبريل بالقراءة هو قراءة التلاوة و الترديد، و ليست القراءة من كتاب، قال له: ماذا أقرأ - حسب رواية ابن إسحاق -، فتركه و تلا عليه: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) )العلق: 1 - . و هذا مفهوم ضمنيا في رواية البخاري، فلما فهم منه النبي-عليه الصلاة و السلام- منه ذلك، و استعد للسماع منه، تركه و تلا عليه قوله تعالى (( اقرأ باسم ربك ... ) )، فسمع منه و حفظه، و انقلب إلى أهله خائفا [1] .
و رابعا إن تأويل الجابري لعبارة (( ما أنا بقارئ ) )الواردة في رواية البخاري، و زعمه بأنها تحتمل النفي و الاستفهام معا. هو تأويل لا يصح لأمرين أساسيين، أولهما هو أنه ثبت في القرآن الكريم أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، الأمر الذي يعني-بالضرورة- أن عبارة البخاري تفيد النفي لا الاستفهام قطعا.
و الأمر الثاني هو زعمه بأن الباء في عبارة (( ما أنا بقارئ ) )، هي باء زائدة، و هذا تحريف للعبارة، و تلاعب بها، و تغليط للقراء، لأن عبارة (( ما أنا بقارئ ) )تختلف في معناها عن عبارة (( ما أنا قارئ ) )، فالأولى تحتمل النفي، و الثانية تحتمل النفي و الاستفهام معا. و هذا يعني أن الباء ليست زائدة كما زعم الجابري؛ و إنما هي مقصودة لإثبات النفي، عبّر بها الرسول-عليه الصلاة و السلام- عن نفسه بأنه أمي لا يقرأ و لا يكتب.
و أما قوله بأن عبارة (( ما أنا بقارئ ) )، هي كعبارة (( ما أنا فاعل بكم ) )التي تفيد الاستفهام، هو تحريف للمعنى، و تلاعب به، لأنه عبارة (( ما أنا بقارئ ) )لا تُشبه في الصياغة و النفي عبارة (( ما أنا فاعل بكم ) )،و إنما تُشبه عبارة (( ما أنا بفاعل ) )، التي تحمل النفي كعبارة (( ما أنا بقارئ ) ). لذا فإن عبارة (( ما أنا فاعل بكم ) )، هي عبارة استفهامية لا تقابل عبارة (( ما أنا بقارئ ) )التي تفيد النفي، و لا تقابل أيضا عبارتي (( ما أنا قارئ ) )و (( ما أقرأ ) )، اللتين تحملان النفي و الاستفهام معا.
و خامسا إن ترجيح الجابري بأن القراءة التي أُمر بها النبي-عليه الصلاة و السلام- هي القراءة من كتاب، و ليست قراءة التلاوة و الحفظ و الترديد، هو
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 4، ج 4 ص: 1894.