فهرس الكتاب
ترجيح لا يصح لأمور ثلاثة، أولها إنه اعتمد فيما ذهب إليه على رواية ابن إسحاق التي أشارت إلى وجود الكتاب مرتين، و هي رواية ضعيفة، لا يصح الاعتماد عليها، و ترك رواية البخاري الصحيحة، التي نصت على نفي معرفة النبي-صلى الله عليه و سلم- للقراءة من جهة، و لم تُشر إلى وجود أي كتاب من جهة ثانية.
و الأمر الثاني هو أنه على فرض صحة رواية ابن إسحاق، فهي رواية رمزية تمت حوادثها في المنام، خلاف رواية البخاري التي تمت حوادثها في حالة يقظة، فيكون أمر الكتاب هو أمر رمزي لا حقيقي، لذا ذكرت هذه الرواية-أي رواية ابن إسحاق- أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قال: (( فانصرف عني، و هببتُ من نومي فكأنما كُتب في قلبي كتاب ) ). فالرواية رمزية، لا يصح تقديمها على رواية البخاري، التي هي الأصل و المرجع و الحكم.
و أما الأمر الثالث هو أنه إذا افترضنا صحة رواية ابن إسحاق، فإن ذكرها للكتاب مرتين، لا يعني بالضرورة أن الأمر بالقراءة كان أمرا بالقراءة من الكتاب، فقد يكون الكتاب له هدف رمزي. كما أن وجود الكتاب لا يعني بالضرورة أن الرسول -عليه الصلاة و السلام - كان يعرف القراءة و الكتابة. لذا فإن ما ذهب إليه الجابري ضعيف جدا، بل لا يصح، لأنه بما أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب بشهادة القرآن الكريم، فإ ذكر الكتاب في رواية ابن إسحاق، جاء لتأيد أمية الرسول-عليه الصلاة و السلام- في أنه لا يعرف القراءة و الكتابة، من خلال امتناعه من القراءة عندما قُدم له الكتاب في المنام. فهذا الامتناع دليل على أنه لا يعرف القراءة و الكتابة، فأصر على الامتناع، إلى أن تبين له أن المطلوب منه هو القراءة بالتلاوة و الترديد و الحفظ، ففعل ذلك. فالكتاب كان له دور رمزي لتأكيد أمية الرسول و ليس لإثبات خلافها.
و أما استدلاله الثالث فيتمثل في أنه استدل بموقف قريش من النبي-عليه الصلاة و السلام- و القرآن الكريم. فذكر أن قريشا لم تتهم رسول الله بأنه كتب القرآن، و إنما اتهمته بأنه كان يتلقى ما ورد فيه كالقصص من أُناس من أهل الكتاب كانوا في مكة. لكن لم (( يذكر أحد من الرواة أن خصوم الدعوة المحمدية من قريش قد نسبوا إليه كتابة القرآن، ليس لأنهم كانوا يعرفون أنه لا يقرأ و لا يكتب ن بل لأن المعرفة بالكتابة و القراءة، عندهم، و عند جميع الأمم على اليوم ليست شرطا في الإتيان بالكلام البليغ. فالقول البليغ ليس مرهونا بالمعرفة بالقراءة و الكتابة. و قد كان شعراء العرب و خطباؤهم يقولون الشعر، و يخطبون ارتجالا من دون إعداد لا قولا و لا كتابة ) ) [1] .
و قوله هذا زعم باطل، فيه تغليط و تدليس على القراء، لأنه أولا أن مضمون كلامه أن قريشا لم تكن تعتقد أن رسول الله كان أميا، و إنما كانت تعتقد أنه كان يعرف القراءة و الكتابة. و هذا زعم باطل سبق بيان بطلانه، و كان عليه أن يُوثّقه
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 93.