فهرس الكتاب
لأن زعمه هذا هو حكاية لخبر، و الخبر يجب توثيقه، و هو لم يُوثّقه [1] . فمن أين جاء بزعمه هذا.؟!.
و قوله بأنه لا أحد من الرواة ذكر أن قريشا نسبت إلى الرسول-عليه الصلاة و السلام- كتابة القرآن، فهذا يحتاج إلى توضيح، و إزالة الغموض الذي يكتنفه، و التغليط حوله. لأن الحقيقة هي أن قريشا اتهمت فعلا الرسول-عليه الصلاة و السلام- بأنه كتب جانبا من القرآن بواسطة بعض أهل الكتاب. بمعنى أن ذلك كُتب له بطلبه و أمره، و قد سجل القرآن هذا الاتهام على لسان قريش، في قوله سبحانه: (( و قالوا ما هي اكتتبها ... ) )، و (( إنما يعلمه بشر ) ). فهذا دليل قاطع على أن قريشا اتهمت الرسول بكتابة القرآن بواسطة أهل الكتاب، و هذا الاتهام يتضمن أيضا دليلا دامغا على أن قريشا كانت تعرف أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، لهذا اتهمته بأن بعض أهل الكتاب كتب علّمه، و كتب له القرآن. فلو كانت تعتقد أنه يعرف القراءة و الكتابة لاتهمته مباشرة بأنه تعلّم ذلك و كتبه بنفسه، و لا ما قالت: (( اكتتبها ) )، و (( إنما يُعلمه بشر ) ). و لا شك أن الذي يعرف القراءة و الكتابة يكتب و يُطالع بنفسه. و هذا لم يثبت في حق رسول الله، و لا اتهمته به قريش.
و عندما اتهمت قريش النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنه يأخذ عن أهل الكتاب، كان اتهامها هذا يخص قصص القرآن و أخباره عن نشأة العالم و نهايته، و لم يكن يتعلق ببلاغته و فصاحته، لأنها تعلم أنه إذا كانت هي قد عجزت عن الإتيان بمثل القرآن في فصاحته و بلاغته و نظمه، فن غيرها من الكتابيين أعجز، و ليس في مقدورهم الإتيان بمثله. لكنها كانت تعتقد أن ما ذكره القرآن من أخبار الأنبياء و الأولين و نشأة العلم، هو أمر لا يتأتى إلا بالإطلاع على كتب أهل الكتاب و غيرهم، لذلك اتهمت رسول الله بالأخذ عن هؤلاء. و من ثمّ فإن معرفة القراءة و الكتابة هي شرط-في اعتقادها- للإتيان بما جاء به القرآن الكريم. و بما أنها كانت تعرف أن محمدا-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، فاتهمته باكتتاب ذلك و أخذه عمن يعرف القراءة و الكتابة، و له علم بما عند الكتابيين. لكنها مع ذلك فشلت في إثبات زعمها، لأن القرآن الكريم تحدى الإنس و الجن معا، و لا يقبل التفسير البشري أصلا.
و ثانيا إن الجابري يُريد أن يُوهمنا بأن قريشا لم يكن يهمها أكان الرسول يعرف القراءة و الكتابة، أو لا يعرف ذلك. لأنها-حسب زعمه- كانت تعلم أن الإتيان بالكلام البليغ الذي جاء به القرآن، ليس مرهونا بمعرفة القراءة و الكتابة، و من ثم فهي ليست شرطا فيه. و هذا تغليط و تدليس على القراء، لأن قريشا إذا كانت تعلم ذلك، فإنه كان يهمها جدا معرفة حال النبي-عليه الصلاة و السلام- من حيث معرفته بالقراءة و الكتابة من عدمها، لتتخذ منه موقفا واضحا، و تجد تفسيرا للقرآن الذي جاء به. فلو كانت تعتقد أن النبي يعرف القراءة و الكتابة، لوجدت
(1) أنظر: نفسه، ص: 93.