الصفحة 21 من 157

تفسيرا سهلا لتعلل به نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-،و القرآن الذي جاء به، فتتهمه بأنه اطلع بنفسه على تراث أهل الكتاب، و أخذ منه يُناسبه في دعوته. لكنها لم تتهمه بذلك، مع أنه سلاح قوي جدا في يدها، الأمر الذي يعني قطعا أنها كانت تعلم أن محمدا لا يعرف القراءة و لا الكتابة. و هذا هو الذي جعلها تتهمه بالأخذ عن أهل الكتاب بالاكتتاب، و التعلم على يدهم، و لم تتهمه بالإطلاع المباشر على كتبهم. فمعرفة قريش بحال النبي من حيث معرفته بالقراءة من عدمها، هو أمر هام جدا، و ضروري بالنسبة لقريش، و ليس كما زعم الجابري الذي حاول تغليطنا بخلاف ذلك.

و أما استدلاله الرابع، فيتمثل في أنه استدل بحديث نبوي صحيح، يقول فيه النبي-عليه الصلاة و السلام-: (( إنا أمة أمية، لا نكتب و لا نحسب ) ) [1] . فقال: إن للحديث تأويلين ن أولهما إن جملة (( لا نكتب و لا نحسب ) )هي وصف للأميين كأن نقول: نحن أمة أمية من صفاتها أنها لا تكتب و لا تحسب. و الثاني هو أن تلك الجملة هي بدل أو عطف بيان، بمعنى أنها تفسر المعنى المقصود في قوله-عليه الصلاة و السلام-: (( إنا أمة أمية ) ). ثم قال الجابري: إن في التأويلين لا يمكن (( أن يكون معنى: أمية، هو الجهل بالكتابة و الحساب، لأن معنى هذا الحديث سيصبح حينئذ كما يلي: (( نحن أمة نجهل الكتابة و الحساب، و لا نكتب و لا نحسب ) )،و هذا تكرار لا معنى له. و من هنا يبدو واضحا أن معنى: الأمية، شيء آخر غير (( لا نكتب و لا نحسب ) ) [2] .

و رأيه هذا لا يصح، لأنه سبق أن بينا بالأدلة القاطعة و الدامغة بأن معنى: أمي و أميين، ليس كما زعم الجابري، و إنما المعنى يضيق و يتسع حسب سياق الكلام، لكن المعنى الأساسي الذي لا يتغير، هو الجهل بالقراءة و الكتابة. و عليه فإن ما قاله الجابري في رحه للحديث غير صحيح.

و أما مثاله الذي ضربه في شرحه للحديث، فهو مثال لا يُعبر عن معنى الحديث، و لا عن حقيقته، لأن الحديث شرح نفسه بنفسه، و فيه تأكيد للمعنى المراد، و ليس فيه تكرار و لا زيادة لا فائدة منها، كما أراد أن يُوهمنا به الجابري.

و مثاله الذي ضربه، هو الذي فيه ركاكة في التعبير، و تكرار لا مبرر له، و لا فائدة منه. فنحن إذا قلنا: (( نحن أمة لا نعرف الكتابة و الحساب ) )، لا نحتاج أصلا إلى الزيادة التي ذكرها الجابري في مثاله، و هي: (( لا نكتب و لا نحسب ) )، لأن المعنى واضح بيّن لا يحتاج إلى زيادة. و الحديث النبوي لا يُوجد فيه تكرار، و لا لغو، و لا ركاكة في التعبير،،و إنما تضمن عبارة: أمية، شرحها النبي -عليه الصلاة و السلام- بقوله: (( لا نكتب و لا نحسب ) )، و الحديث يمكن التعبير عنه بلفظ آخر، كقولنا: نحن أمة نجهل الكتابة و الحساب. و في هذه الحالتين لا مبرر لذكر الزيادة التي ذكرها الجابري.

(1) رواه البخاري و مسلم. البخاري: الصحيح، ج 2 ص: 675. و مسلم: الصحيح، ج 2 ص: 759.

(2) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت