سجله القرآن الكريم عندما أخبرنا أن اليهود كانوا ينتظرون مجيئه، و أخبروا غيرهم به، و هذا في قوله تعالى: (( وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) )-البقرة: 89 - .
و أما اعتراضه العقلي، فقد بناه على افتراض نظري، فهو ليس دليلا صحيحا، ولا حجة يُحتج بها، و إنما هو مجرد افتراض باطل، هو شخصيا لا يُؤمن به، لأنه لا ديني لا يُؤمن بدين و لا وحي، و أنما استخدمه للاحتجاج به على القائلين بوجود الحنفاء من جهة، و لدعم زعمه الخرافي من جهة ثانية، و ليُغالط به من جهة ثالثة. و إلا فإن افتراضه باطل من أساسه، فمن أين له بأن المفترض أن نزول الوحي لا يحتاج إلى سوابق، أو إلى نماذج تاريخية داخل مكة؟!، إنه لم يذكر دليلا على زعمه هذا. و الحقيقة هي أن الله تعالى بما أنه فعال لمل يريد، و على كل شيء قدير، و دينه واحد هو الإسلام، فإن الله تعالى أرسل رسله كلهم بدين واحد، فكان النبي منهم يعترف بالسابق، و يُبشر بالآتي، ليُمهد له الطريق، و يُقيم الحجة على الناس، و عملهم هذا أمر طبيعي للغاية، و ضروري أيضا. و أعمالهم هذه ليست هي التي أنزلت الوحي، و لا كانت سببا فيه، و إنما هي تندرج ضمن الأمر الإلهي المقدر سلفا.
لذلك فإن وجود الحنفاء هو مظهر من مظاهر تهيئة الأرضية لمجيء النبي الخاتم، و من ثم فلا يُوجد أي تناقض الذي زعمه جهيط، و حاول أن يُوهمنا به. فوجود الحنفاء هم من البشائر المُهيئة للنفوس لتقبل الرسالة الخاتمة، و هي جزء من التدبير الإلهي، و ليست متناقضة معه.
و أما زعمه بأن ما قالته المصادر عن الحنفاء هو خرافة، فإن الحقيقة خلاف ذلك تماما، و هي أن نفيه لهم هو الخرافة الكبيرة، لأنه لم يقدم دليلا صحيحا على خرافته، في حين أن إثبات وجود هؤلاء ثابت بالشرع و التاريخ، و موافق للعقل تماما. و واضح من ذلك أن جعيطا قال بذلك الزعم ليس طلبا للحقيقة، و إنما طمسا لها، لأنه يُوصله إلى إبطال دليل قوي من أدلة صدق نبوة محمد- عليه الصلاة و السلام- من جهة، و إلى تكذيب القرآن الكريم من جهة أخرى. و دلك أن القرآن نص صراحة على أن دين الله تعالى واحد هو الإسلام، و أن جميع الأنبياء جاؤوا به، و بشروا بالنبي الخاتم محمد-عليه الصلاة و السلام-. فجاء هشام جعيط و قال بذلك الزعم الخرافي محاولة منه لتكذيب القرآن، و الحيلولة دون استخدام المسلمين للبشارات، و ظاهرة وجود الحنفاء هي من أدلة صدق نبوة محمد- عليه الصلاة و السلام-.
و النموذج الثالث مفاده أن جعيطا نفى حقائق تاريخية ثابتة، من دون أن يُقدم أي دليل صحيح و لا ضعيف، كنفيه أن يكون اسم والد النبي هو: عبد الله، و نفيه