ذكرها القرآن عن مولده و حياته، هي أخبار صحيحة بلا شك، و لا تُخالف العلم الصحيح، و لا العقل الصريح. و هي أيضا ليست من الأساطير و لا من المستحيلات، فميلاده من دون أب مثلا، هو أمر ثابت شرعا، لقوله تعالى: (( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )-آل عمران: 59 - و أما عقلا، فإن العقل الفطري الصريح لا ينفي إمكانية أن يُولد من دون أب بتدخل من الإرادة الإلهية، فهو أمر مُمكن جدا إذا أراده الله تعالى.
و أما علما فإن العلم المعاصر استطاع أن يُحوّل ذلك الأمر الممكن عقلا إلى واقع مُشاهد، و ذلك أن العلم في أيامنا تمكن من توليد مخلوق من دون أب، و هذا ما يُعرف بالاستنساخ، و قد نجحت العملية في بعض الحيوانات كالنعجة دولي.
فميلاد عيسى -عليه السلام- من دون أب ليس أسطورة، و إنما هو أمر ثابت شرعا، و ممكن عقلا، و ثابت علما. و هذا خلاف زعم جعيط الذي نفى ما رُوي عن ميلاد عيسى-عليه السلام- من دون أي دليل عقليّ و لا علميّ، و لا تاريخيّ، إلا إتباع الظن و الهوى و التعصب.
و النموذج الثاني يتعلق بوجود الحنفاء الباحثين عن دين إبراهيم-عليه السلام- قبل بعثة النبي محمد -عليه الصلاة و السلام-، فزعم جعيط أن القول بوجود هؤلاء الحنفاء هو وهم من اختلاق السيّر. و قال أيضا: إن ذكر كتب السيرة للحنفاء يعني أنه (( لا يمكن أن يُوجد شيء من دون سوابق، و أن أي حدث تاريخي لا بد أن يكون متجذرا في تيار فكري يُحيط به. هنا يكمن الحدس و التناقض الظاهري، لأن المفترض أن نزول الوحي لا يحتاج إلى سوابق، أو نماذج تاريخية داخل مكة لكونه أمرا إلهيا يتعالى على التاريخ البشري ) ). ثم زعم أيضا أن حكاية الحنفاء الذين يبحثون عن دين إبراهيم هي تركيب (( حلو، و ذكي، لكنه خُرافي ) ) [1] .
و قوله هذا زعم باطل، و خرافة من خرافاته، و تغليط للقراء، لأنه أولا إن الرجل نفى أمرا تاريخيا ثابتا من دون أن يُقدم دليلا تاريخيا صحيحا و لا ضعيفا، و لا قدم حجة عقلية صحيحة بناها على مقدمات عقلية سليمة، و إنما قال زعما هو مجرد دعوى لا دليل عليها، و الدعوى لا يعجز عنها أحد.
و وجود الحنفاء قبيل بعثة محمد-صلى الله عليه و سلم-، هو أمر صحيح، أثبتته الروايات الصحيحة و الضعيفة معا [2] . و القرآن الكريم أشار إلى ذلك ضمنيا، عندما نص على أن كلا من موسى و عيسى-عليهما السلام- قد بشرا بمجيء محمد النبي الخاتم-عليه الصلاة و السلام-،و أنه مذكور في التوراة و الإنجيل، فهذا يعني أن الناس كانوا ينتظرون مجيء النبي الخاتم الذي يُحيّ الدين الحنيف الذي جاء به إبراهيم -عليه السلام - من قبل. و هذا قد حدث فعلا على أرض الواقع، و قد
(1) نفس المرجع، ص: 21، 152، 153.
(2) أنظر: البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 1391، 1392. و أحمد بن حنبل: المسند، ج 5 ص: 441. و الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 9 ص: 559. و الألباني: الصحيحة، ج 2 ص: 555. و محمد الغزالي: فقه السيرة، ص: 27.