الصفحة 144 من 157

التخلي عنها أو تعطيلها، فسينهار فكره كله، و في هذه الحالة عليه أن يبحث لنفسه عن أصول و أساسيات فكرية جديدة لكي يبني عليها قناعاته و عقائده، كأن يكون الإنسان نصرانيا ثم يصبح مسلما، أو يكون مُلحدا ثم يصبح مؤمنا و في هذه الحالة تتغير الفروع بتغير الأصول. و بذلك يتبين أنه لا يمكن لأي باحث أن يخوض في البحث العلمي دون أصول فكرية تقوم عليها قناعاته، و لا يمكنه الانفكاك منها، لكنه يمكنه التحكم في فروعها إذا كانت تعوقه عن البحث العلمي. و إما إذا كانت الأصول و فروعها جزءا أساسيا من البحث العلمي في -كما هو حال المسلم- فيجب الحفاظ عليها و البناء عليها أيضا.

و قولنا هذا هو الذي نسيه جعيط أو تناساه، فهو تظاهر بأنه موضوعي و غاب عنه أنه هو نفسه غارق في ذاتيته و تعصبه و مذهبيته. فاختلق الأكاذيب، و تمسك بالظنون و الأوهام، و اتهم النبي-عليه الصلاة و السلام- بالكذب و التدليس، من دون أي دليل صحيح و لا ضعيف. فجاء بالأباطيل و الخرافات بسبب انحرافه المنهجي الذي بناه على مذهبيته و تعصبه، و كفره بدين الإسلام، فهذه المنطلقات الفكرية الأساسية هي التي كانت تتحكم في هشام جعيط، فأوقعته في كثرة الأباطيل و الخرافات. فهو طالب المسلم أن يترك قناعاته بين قوسين، و نسي نفسه بأنه كان عليه أن يبدأ بنفسه أولا، فيُطالبها بأن تترك قناعاتها إن كان صادقا مع نفسه. فكان عليه أن يبدأ بها، لأنه هو الذي ليس عنده من النصوص الأساسية و لا الفرعية التي تمنعه من الانحراف العلمي، و تُلزمه بالحياد و الموضوعية. أما المسلم فهو أحسن منه بفارق كبير جدا، لأن دينه يُلزمه بأن يقول الحق و يلتزم بالموضوعية و لو على نفسه.

و ثالثا إن جعيطا لم يلتزم بالمنهجية العلمية الصارمة في كثير مما كتبه عن السيرة النبوية، فكان متبعا لأهوائه و ظنونه يُقدمها على الحقائق التاريخية، ومن دون أن يُؤيدها برواية صحيحة و لا ضعيفة، و هذا أمر سبق أن بيناها و أثبتناه بعشرات الأمثلة. و نحن هنا نزيد ذلك بيانا و إثراء بذكر نماذج أخرى متنوعة من أخطائه و انحرافاته و خرافاته التي لا تمت إلى العلم والموضوعية بصلة.

أولها إنه زعم أن قصة (( عيسى و ميلاده، و سيرته و انبعاثه أسطورية، لأنها مرتبطة باختلافات دوغمائية، من حيث أن ظروف موته هي التي أسست لإعادة تركيب ميلاده و حياته ) ) [1] .

و أقول: إن الرجل لم يتناول الموضوع بطريقة علمية، و إنما تناوله بطريقة ذاتية مذهبية متعصبة، فكان عليه أن يُميز بين الحقائق و الأباطيل، و لا ينطلق من مذهبيته المادية العلمانية المُنكرة للدين. لئن ما رُوي عن مولد عيسى-عليه السلام- و حياته، فيه الحقائق و الأكاذيب، و الممكنات و المستحيلات. و الأخبار التي

(1) تاريخية الدعوة المحمدية، ص: 20، 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت