الصفحة 96 من 157

اكتشف ما في القرآن، و ليس عيبا أن يزكي القرآن العلم، و يزكي العلم القرآن، لأن العملية متكاملة، فنفسر كتاب الله المسطور بكتابه المنظور، و العكس صحيح، و قد قال سبحانه: - {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} - سورة فصلت/53 - ، فبفضل هذه الآيات الكونية يعرف كثير من الناس أن القرآن حق.

و إذا كان بعض الناس ليس في حاجة إلى أن يزكي العلم القرآن، و إلى أن يزكي القرآن العلم، فإن كثيرا منهم - من مسلمين و كفار- في حاجة ماسة إلى ذلك، لأن في هؤلاء: المسلم الضعيف الإيمان، و الملحد، و النصراني، و اليهودي، و العلماني، و المشكاك، و المريض القلب و العقل، فهؤلاء كلهم جاء القرآن إليهم و عليه أن يُخاطب كل طائفة بما يناسبها، و منها من لا يُقنعه إلا التفسير العلمي للقرآن لأنه يقوم على الدليل العلمي المادي الملموس.

و الشاهد على ذلك أن أحد تلاميذ المستشرقين المعاصرين زعم أن (( الصراعات الهائجة التي حصلت بين المسيحية و بين العلم الحديث سوف تحصل مع الإسلام أيضا، و ربما كنا قد أصبحنا على أبوابها الآن ) ) [1] . فهذا الرجل- و أمثاله- من ضحايا التغريب و العلمانية، لو كان يعتقد أن القرآن كتاب الله المسطور، و الكون كتابه المنظور، و أن كلا منهما يزكي الآخر، ما تنبأ بهده الخرافة التي ربما يقول بها كثير من الناس.

و ثانيا إن قوله بأن ذلك الفعل هو عملية أيديولوجية، فهذا لا عيب فيه إذا كانت العملية تقوم على أسس صحيحة شرعا و علما و عقلا، و من أجل الحق. فما المانع من أن نوظف الإعجاز العلمي في الدعوة إلى الإسلام و التعريف به، و الرد على الطاعنين فيه؟. و القرآن الكريم ذاته وصف نفسه مرارا بأن فيه آيات كثيرات باهرات تحدى بها عالم الجن و الإنس معا، و أية فائدة من وجودها إذا لم نوظفها لصالح الإسلام و هداية البشرية؟، و الجابري نفسه سخر كتبه -التي أطلعتُ عليها- لخدمة مذهبيته-أيديولوجيته- التي عنوانها: نقد العقل العربي، و هو قد صرّح بذلك شخصيا في كتابه: التراث و الحداثة.

و ثالثا إن مثال الإسماعيلية الباطنية الذي ذكره الجابري، هو لا يصلح لرد ما يقوم به دعاة التفسير العلمي للقرآن، فإذا كان من حق أية طائفة أن توظف ما تراه صالحا لنشر مذهبها فلها أن تفعل ذلك، و الإسماعيليون فعلوا ذلك انتصارا لمذهبهم، و نحن أنكرنا عليهم مذهبهم الباطل الذي حرفوا به عقائد الإسلام و شريعته، و طعنوا به في الصحابة [2] ،و أدخلوا في الدين ما ليس منه. و لأنهم أقاموه على طبيعيات فلسفة اليونان الظنية التجريدية التي لم يقم الدليل على صدقها-في الغالب الأعم-، و قد جاء العلم الحديث و أثبت بطلان ما ظنوا أنه حقائق على ما ذكره

(1) محمد أركون: الإسلام، أروبا، الغرب، ترجمة هاشم صالح، ط 2، دار الساقي، بيروت 2001، ص: 86.

(2) انظر: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص: 281، و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت