و توظيفها لخدمة الإنسان. قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة الجاثية/13 - ،و {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} - سورة العنكبوت/20 - ، و {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} -سورة الغاشية/ 17 - 18 - ، و {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ} - سورة آل عمران/137 - .
و الاعتراض الرابع مفاده أن أصحاب التفسير العلمي للقرآن يعتمدون على تأويلات و أحيانا على تحليلات غير ناجحة في الغالب، مع العلم أن هذه الأعمال ليست ذات موضوع اليوم، كالذي كان زمن طنطاوي جوهري في تفسيره [1] . و قوله هذا ضعيف جدا، لأن أصحاب التفسير العلمي للقرآن من حقهم أن يجتهدوا كما يجتهد غيرهم من المفسرين، و قد تكون محاولاتهم الضعيفة طريقا إلى الكشف عن الصحيح المجهول، علم بأن كل علم له ثوابت و حقائق، و تأويلات و ظنيات. و موضوع الإعجاز العلمي في القرآن يقوم على حقائق كثيرة جدا لا غبار عليها، و وجود التأويلات الضعيفة لا يقدح في الأصل، فأما {الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} - سورة الرعد/17 - .
و حالة علم التفسير العلمي للقرآن هي أحسن بكثير مما كانت عليه زمن طنطاوي جوهري، فقد اتسعت مجالاته، و كثرت حقائقه، و تولاه أساتذة متخصصون أكفاء ضمن الهيئية العالمية للإعجاز العلمي في القرآن و السنة،. و هو اليوم يُعد من الوسائل الدعوية الهامة النافعة و المفيدة في الدعوة إلى الإسلام بين المسلمين و غيرهم، و في الرد على شبهات المستشرقين و تلامذتهم الذين يطعنون في أصالة الإسلام و مصدريته، و يزعمون أنه نسخة محرّفة عن التوراة و الأناجيل. و له أيضا دور كبير في مجال مقارنة الأديان. و بذلك يتبين أن تهوين الجابري من موضوع التفسير العلمي للقرآن هو أمر غير صحيح، و يندرج ضمن نظرته التقزيمة المنتقصة للمعجزة القرآنية.
و أما اعتراضه الخامس فمفاده أن دعاة التفسير العلمي إذا كانوا يهدفون إلى إثبات أن العلم يُزكي القرآن، فهذا لسنا في حاجة إليه، و لا كان القرآن في حاجة إليه، إنها عملية إيديولوجية، إذا قبلناها و سلمنا بها، فعلينا أن نقبل توظيفا ايديولوجيا مارسه الإسماعيليون الباطنيون في استخدامهم لطبيعيات الفلسفة في زمانهم في تأويلهم للقرآن، و قولهم أن مذهبهم هو الصحيح يشهد له القرآن و العلم مع أن العلم الحديث يحكم ببطلان تلك التي سموها حقائق العلم [2] .
و قوله هذا فيه أخطاء و تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا ليس عيبا أن يسعى دعاة التفسير العلمي إلى إثبات أن القرآن سبق العلم الحديث، و أن العلم
(1) الجابري: القرآن و العلوم الكونية، جريدة الاتحاد.
(2) نفسه.