الصفحة 94 من 157

و إذا استعان بالنظريات فلا يجزم بها، و إنما يجتهد حسب طاقته للوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها، وفق المنهجية العلمية الصحيحة.

و ثانيا إن المفسر للآيات العلمية في القرآن هو مجتهد، كغيره من المفسرين المجتهدين، فإن أصاب فله أجران، و إن أخطأ فله أجر واحد، و هو في تفسيره لا يربط القرآن بالكشوف الحديثة، و إنما يُفسره بها حسب اجتهاده، و لا يترتب عن ذلك أي ضرر على القرآن كنص مقدس محفوظ. فإذا أخطأ ذلك المفسر فهذا ليس كارثة، و لا حراما، و ليس جديدا في تاريخ التفسير، فالمفسرون منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا، فيهم المصيب و فيهم المُخطئ. و الله تعالى هو الذي أمرنا بتدبر كتابه و فهمه و تفجير معانية، كقوله تعالى: - {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} - سورة النساء/82 - و {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} سورة محمد/24 - ،و من يقرأ القرآن و يجتهد في تدبره و تفسيره، ليس واجبا عليه أن يُصيب و أن لا يُخطئ، بل عليه أن يجتهد و الأجر آت بإذن الله.

و أُشير هنا إلى أمر هام جدا، مفاده أنه لا يمكن أن يحدث تعارض بين حقائق القرآن و حقائق العلم، فإذا ما حدث ذلك، فإما أننا أخطأنا في فهم القرآن، و إما أننا أخطأنا في فهم الحقيقة العلمية، و إما أن ما حسبناه حقيقة علمية هو ليس كذلك، و إنما هو مجرد نظرية لم يقم الدليل العلمي القاطع على صدقها، و إما أننا أخطأنا في فهم الأمرين معا، لأنه لا يمكن أن يحدث تعارض حقيقي بين كتاب الله المسطور- القرآن- و كتابه المنظور -الكون-.

و أما اعتراضه الثالث فمفاده أن القرآن بيان للناس، ذكر مظاهر طبيعية معروفة لدي الناس، و لم تُثر فيهم اشكالات، كتصطح الأرض، و جريان الشمس، و هذا فهمٌ يقوم على المشاهدة الظاهرة للشيء، و هو يفي بالاعتبار لطرح السؤال المطلوب، و هو: من خلق هذا؟، و ليس كيف حدث هذا النظام [1] ؟.

و قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا أن في القرآن مظاهر طبيعية و بشرية كثيرة جدا تتجاوز ما كان يعرفه الناس زمن نزول القرآن الكريم، فهو -أي القرآن- قد اخترق تاريخ الطبيعة و الإنسان و مستقبلهما، و تكلم عن أعماق الأرض و السماء، و تكلم بالتفصيل عن مراحل تكوّن الجنين في بطن أمه، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} سورة الأنبياء/30 - ، و من أراد التوسع في الموضوع فالكتب المتخصصة فيه كثيرة.

و ثانيا إنه ليس في القرآن الكريم: من خلق هذا فقط؟، و إنما فيه أيضا الدعوة إلى البحث عن الكيفية، و السعي في الطبيعة لتسخيرها و الانتفاع بها، و شكر الله تعالى عليها، و هذا لا يتأتى إلا بالبحث و الكشف عن السنن الكونية و الاجتماعية،

(1) الجابري: القرآن و العلوم الكونية، جريدة الاتحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت