الكريم، فهو الآية المعجزة، التي تشمل القرآن كله بألفاظه و معانيه معا، لأن الحديث قال: (( و إنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله ) )، فالحديث نص على أن آية النبي هي الوحي كله، و لم يقل لغته و ألفاظه.
و أما المثال الرابع - من أمثلة تقزيم الجابري لمعجزة القرآن- فيتعلق بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، و هذا الموضوع أهمله الجابري في كتابه: مدخل إلى القرآن الكريم، و لم يشر إليه على أنه يمثل جانبا هاما من جوانب المعجزة القرآنية، مما يدل على تقزيمه له، أو أنه يُنكره أصلا، و هذا هو الأرجح، لأني عثرتُ له على اعتراضات ينتقد من خلالها التفسير العلمي للقرآن و القائلين به. فمن ذلك إنه يرى أنه يجب علينا أن لا نلتمس
و يرى أنه يجب علينا أن لا نلتمس في القرآن، و لا في الحديث ما يخرج عن معهود العرب من العلوم و المعارف، و أيد موقفه بجملة اعتراضات و تحفظات، أولها إنه عندما يقول بعض الناس: إن في القرآن ما اكتشفه العلم الحديث. فإن هذا يطرح علينا تساؤلات، منها: أين كنتم قبل الاكتشاف؟، و لماذا لم تكتشفوه أنتم [1] ؟.
و ردا عليه أقول: أولا إن التساؤلين لا يمسان جوهر الموضوع، و هو: هل يوجد إعجاز علمي في القرآن أم لا؟، نعم يُوجد إعجاز علمي في القرآن الكريم، فهو مليء بمئات الإشارات العلمية، و قد صُنفت في ذلك مُصنفات كثيرة، و أُنشأت له هيئة عالمية تتولاه. و بما أن الأمر كذلك و الإعجاز العلمي في القرآن أصبح حقيقة ثابتة مُعترف بها، فلا يُوجد أي مبرر علمي و لا شرعي و لا عقلي لرفض ذلك و إهماله.
و ثانيا أن التساؤلين يُجاب عنهما بأن تخلف المسلمين العلمي، و ضعف مساهمتهم -أو انعدامها- في الاكتشافات العلمية الحديثة، هما السببان في تأخر المسلمين من الاستفادة من الإشارات العلمية في القرآن الكريم قبل أن يكتشفها غيرهم. و هذا التخلف موضوع آخر، لا يمنع من الاهتمام بالإعجاز العلمي في القرآن، و مع ذلك فقد ذكر بعض المسلمين المختصين في التفسير العلمي في القرآن أنه استفاد من بعض الإشارات العلمية في القرآن، فتوصل بفضلها إلى الكشف عن حقائق لم تكن معروفة [2] .
و الاعتراض الثاني مفاده أن العلم يتغير، و قد تصبح حقيقة اليوم ليست حقيقة الغد، لذا فإن ربط القرآن بكشف من الكشوف (( ينطوي على مجازفة خطيرة ) ) [3] . و قوله هذا فيه حق و باطل، لأنه أولا إن العلم الحديث فيه الحقائق و شبه الحقائق، و النظريات و شبه النظريات، فعلى المفسر أن يعتمد أساسا على الحقائق الثابتة،
(1) الجابري: بنية العقل، ص: 545، 546. و الجابري: القرآن و العلوم الكونية، جريدة الاتحاد، ركن وجهة نظر، العدد: 10600، 25 جمادى الأولى، 13 يونيو 2004.
(2) صرح بذلك العالم الجيولوجي زغلول النجار عندما فسر الآيات العلمية على قناة الشارقة الفضائية، في شهر رمضان، من السنوات الماضية القليلة. و من يرجع إلى أبحاثه في الإعجاز العلمي ربما يجد ذلك، و هي متوفرة على شبكة الأنترنت في موقع إسلاميات.
(3) الجابري: القرآن و العلوم الكونية.