الإسلام توسيع مجال الإعجاز ليشمل معانيه و ليس لفظه فقط. و استشهدوا في ذلك بما ورد في القرآن من إخبار بالغيب، و بما ذكره من اخبار الأقوام الماضية [1] .
و زعمه هذا لا يصح، و هو مظهر من مظاهر تقزيمه للمعجزة القرآنية، و فيه افتراء على القرآن و علماء الإسلام، لأنه لم يُقدم على زعمه دليلا صحيحا و لا ضعيفا. و ما قاله هو مجرد زعم، و الزعم لا يعجز عنه أحد، و نحن نطالبه بالشواهد الصحيحة التي تُثبت ما قال به. ثم بعد ذلك نقول: إن المعجزة القرآنية منذ نزولها كانت معجزة شاملة لمعاني القرآن و ألفاظه، و لم تكن محصورة في ألفاظه و لغته فقط. و هذا أمر نص عليه الشرع نفسه و ليس علماء الإسلام هم الذين وسعوا مجال إعجازها على حد زعم الجابري. و الشواهد الآتية تثبت ذلك بقوة و وضوح:
أولها إنه لا يُوجد في القرآن الكريم نص يحصر المعجزة القرآنية في ألفاظها دون معانيها. و إنما الموجود هو أن الله تعالى تحدى العرب و كل الناس بالقرآن كله دون تخصيص لجانب منه دون الجوانب الأخرى. بدليل قوله تعالى: (( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) )-البقرة:23 - 24 - ، و (( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) )-الطور: 34 - ،و (( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) )-البقرة: 23 )) -، و (( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )-هود: 13 - . فهذه الآيات الكريمات شواهد دامغة على أن الله تعالى تحدى العرب و غيرهم من الكفار بالقرآن كله بمعانيه و ألفاظه معا، و لم يخصصه بالألفاظ فقط.
و ثانيها قوله تعالى: (( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) )-الإسراء: 88 - ، فهذا نص شاهد وقاطع على أن الإعجاز المُتحدى به هو القرآن كله، و ليس خاصا بألفاظه فقط، لأن الله تعالى تحدى به الإنس و الجن معا، و الغالبية العظمى من بني آدم ليسوا عربا، و لا يعرفون اللغة العربية، فكيف يتحداهم بأمر لا يعرفونه؟. فدلّ هذا بالضرورة على أن مجال المعجزة القرآنية المُتحدى به واسع جدا اتساع علوم القرآن، و ليس محصورا في اللفظ كما زعم الجابري، الذي يريد من وراء ذلك تقزيم المعجزة القرآنية ليصل إلى أمر مُبيت سلفا، سينكشف قريبا بحول الله تعالى.
و الشاهد الثالث- و هو الأخير- يتمثل في حديث نبوي صحيح، يقول فيه الرسول-صلى الله عليه و سلم-: (( ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، و إنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة ) ) [2] . فهذا الحديث حجة دامغة على أن معجزة النبي-عليه الصلاة و السلام- هي الوحي الذي أنزله الله تعالى عليه، و المُتمثل في القرآن
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 170، 171.
(2) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 2654.